القرآن دستور الحياة: بين الهجر والتدبر

القرآن دستور الحياة: بين الهجر والتدبر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

كل شي

image about القرآن دستور الحياة: بين الهجر والتدبر

                                                                   القرآن دستور الحياة: بين الهجر والتدبر  

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن أعظم نعمةٍ أنعم الله بها على هذه الأمة بعد نعمة الإسلام نفسها هي كتابه الكريم، القرآن العظيم، الذي أنزله الله نوراً وهدى ورحمة للعالمين، وجعله دستوراً للحياة ومنهاجاً للعباد، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. لكن المؤسف والمحزن حقاً أن كثيراً من المسلمين اليوم قد هجروا هذا الكتاب العزيز، وهجرهم له ليس بالضرورة أن يكون بترك تلاوته فقط، بل يتعدى ذلك إلى أنواع متعددة من الهجر، كلها خطيرة وتدل على بعدٍ عن الله وعن منهجه القويم، وعلى ضعف في الصلة بين العبد وربه.

إن هجر القرآن أنواع أربعة، ذكرها أهل العلم بتفصيل دقيق: هجر تلاوته، وهجر تدبره، وهجر العمل به، وهجر التحاكم إليه. فأما هجر التلاوة فهو أن يخلو بيت المسلم من صوت القرآن، أو أن يكون المصحف رفاً للزينة لا يُفتح إلا في المناسبات، أو أن نقتصر على قراءة الفاتحة فقط في الصلاة دون أن نسمع كلام الله في بقية أوقاتنا. وأما هجر التدبر فهو أشد خطراً وأعظم وبالاً، وهو أن تمر الآيات على الأذنان كالطلاسم، لا نعي معناها، ولا نحاول فهم مراد الله منها، ولا نستشعر عظمتها، مع أن الله يقول: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص:29]. فأصل إنزال القرآن هو التدبر، فكيف نترك المقصد الأساسي؟

وأما هجر العمل به فهو أن نقرأ القرآن ولا نطبقه في واقعنا، نأمر بالمعروف وننسى أنفسنا، وكأنه كتاب للبركة فقط لا للالتزام، وكأنه يتلى للتيمن لا للتقيد بأحكامه. وأما هجر التحاكم إليه فهو أن نترك شرع الله ونأخذ بقوانين البشر، ونقدم آراءنا الفانية على نصوص الوحي الخالدة، وهذا أعظم أنواع الهجر وأشدها ضرراً على الأمة، لأنه يؤدي إلى ضياع الهوية والتبعية للغير.

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الهجر حين شكى إلى ربه فقال: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، وهذه شكوى من خير البشر إلى ربه، تشير إلى أن الأمة ستصل إلى مرحلة تستخف بالقرآن ولا تلتفت إليه، وهذا ما نعيشه اليوم حين نرى كثيراً من المسلمين يقبلون على وسائل التواصل وإضاعة الأوقات أكثر من إقبالهم على المصحف، وحين نرى طلاب العلم يهتمون بكتب الفقه والسيرة أكثر من اهتمامهم بحفظ كتاب الله وتدبره وفهم مقاصده العظيمة.

ولقد كان سلفنا الصالح على النقيض من ذلك تماماً، كانوا إذا قرؤوا آية تخشع لها قلوبهم وتدمع لها أعينهم، كانوا يقفون عند آيات الوعد والوعيد ويتفاعلون معها بخشوع، كانوا يحفظون القرآن ويتدبرونه ويعملون به، حتى غدوا قدوة للأمة ونبراساً للهداية، فصار القرآن هو أنيسهم في ليلهم ودليلهم في نهارهم.

فيا أيها المسلمون، آن الأوان لنعود إلى كتاب ربنا، ليس هجراً بل تلاوةً وتدبراً وعملاً وتحاكماً. اجعلوا لكل يوم ورداً قرآنياً، ولو كان جزءاً بسيطاً لكن بتدبر وتفكر، واحملوا أنفسكم على العمل بما تقرؤون، وردوا كل خلاف بينكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، ففي ذلك صلاح الدنيا والآخرة، وفي تركه الهلاك والدمار.

نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وأن يردنا إلى كتابه رداً جميلاً، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
مصطفي احمد محمود تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-