انما كنا نخوض و نلعب من أعظم قصص القرآن
انما كنا نخوض و نلعب من أعظم قصص القرآن و عبرة لكل زمان

ورد في كتب التفسير المعتمدة عند أهل السنة والجماعة قصة الآيتين الكريمتين ٦٥ و ٦٦ من سورة التوبة، والمعروفتين بقصة "إنما كنا نخوض ونلعب". هذه الحادثة وقعت في غزوة تبوك، وهي من أبرز المواقف التي فضحت نفاق المنافقين وكشفت ما في قلوبهم.
📖 القصة كاملة من كتب التفسير
يروي المفسرون، نقلاً عن قتادة والطبري، أنه بينما كان النبي ﷺ يسير في غزوة تبوك، كان ركب من المنافقين يسيرون بين يديه. فقالوا فيما بينهم ساخرين: "انظروا، هذا يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر!". وكانوا يقصدون بذلك الاستهزاء برسول الله ﷺ والمؤمنين، وإنكار قدرتهم على النصر.
فأطلع الله -سبحانه وتعالى- نبيه على ما كانوا يتحدثون به. فقال النبي ﷺ: "احبسوا علي الركب" (أي أوقفوا هذه المجموعة)، ثم أتاهم وقال لهم: "قلتم كذا وكذا".
فحاول المنافقون الاعتذار، فقالوا: "ما كنا إلا نخوض ونلعب"، أي كنا نتحدث بكلام لا قصد لنا به، ونتلاعب فقط لقطع الطريق ونفي الملل. فردّ عليهم القرآن الكريم بهذا الرد الحاسم: "قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ" (سورة التوبة: ٦٥).
🔍 تفاصيل إضافية وروايات أخرى
· هوية القائل: اختلف المفسرون في تعيين الشخص الذي قال هذه المقالة. فذكر الطبري عن عبد الله بن عمر أنه قال: "رأيت قائل هذه المقالة وديعة بن ثابت متعلقاً بحقب ناقة رسول الله... يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب". بينما ذكر النقاش والقشيري أنه عبد الله بن أبي بن سلول، لكن ابن عطية خطأ هذا القول لأنه لم يشهد غزوة تبوك.
· رواية أخرى:
ذكر ابن كثير عن محمد بن كعب القرظي أن رجلاً من المنافقين قال: "ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء". فنزل القرآن وتعلق الرجل بحقب ناقة النبي ﷺ يعتذر.
· مشهد التعلق بالحقب: تكرر في معظم الروايات مشهد المتهم وهو يمسك بحزام راحلة النبي ﷺ، والحجارة تؤذي رجليه، والنبي ﷺ لا يلتفت إليه، وهو يردد الآية التي أنزلها الله عليه.
⚖️ الأثر المترتب على هذا القول (الحكم الشرعي)
هذا الموقف ليس مجرد حكاية تاريخية، بل يحمل حكماً شرعياً خطيراً. فقد بيّن القرآن أن هذا الاستهزاء ليس مجرد "لعب" أو "مزاح"، بل هو كفر صريح. قال تعالى: "لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" (سورة التوبة: ٦٦).
وقد علق القاضي أبو بكر بن العربي على هذا قائلاً: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جداً أو هزلاً، وهو كيفما كان كفر، ف
إن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة. فالاستهزاء بالله أو بآياته أو برسوله ﷺ، حتى إن كان على سبيل المزاح أو اللهو، يُعتبر مخرجاً من الملة، ويستوجب التوبة النصوح والرجوع إلى الله.
💡 الدروس والعبر المستفادة
1. خطورة الاستهزاء بالدين: فالمزاح الذي يتضمن طعناً في الدين أو رسوله ﷺ ليس مزاحاً عادياً، بل هو كفر يوجب التوبة.
2. علم الله المحيط: الله مطلع على ما في القلوب، ويعلم ما يتحدث به العباد في خلواتهم، ولا يخفى عليه شيء.
3. صدق النبي ﷺ وعدله: النبي ﷺ لم يقبل أعذارهم الواهية، وأظهر الحق الذي أوحاه الله إليه، مما يدل على أنه لا تأخذه في الله لومة لائم.
4. التمييز بين الإيمان والنفاق: هذه القصة تظهر الفارق بين المؤمن الصادق والمنافق، فالمؤمن يوقر دينه، بينما المنافق يسخر منه.
5. العفو مشروط بالتوبة: قال تعالى: "إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً"، مما يدل على أن العفو مرتبط بصدق التوبة، وإلا فالعذاب لمن يصر على النفاق.
ختاماً،.
تظل قصة "إنما كنا نخوض ونلعب" من أعظم الدروس في القرآن الكريم، التي توضح خطورة الاستهزاء بالدين، وضرورة التوبة النصوح، وأن الإيمان الحقيقي يقتضي التعظيم والتوقير، لا السخرية والاستهزاء. وقد سُميت سورة التوبة بـ"الفاضحة" لأنها فضحت المنافقين وكشفت أسرارهم.
إن فهم هذه القصة وأسباب نزولها يزيد المؤمن إيماناً وتقوى، ويحذره من الوقوع في ذنب عظيم قد يخرج من الملة دون أن يشعر.