التطور التاريخي لعقود الزواج في الإسلام: دراسة مقارنة

التطور التاريخي لعقود الزواج في الإسلام: دراسة مقارنة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

تأليف : الدكتور احمد الشامي ( رحمه الله)

استاذ التاريخ الاسلامي المساعد و رئيس قسم التاريخ 

ــــــــــــــــــــــ

ينقله : عبد الرحمن الشامي 

حفيده

image about التطور التاريخي لعقود الزواج في الإسلام: دراسة مقارنة

القسم الأول

لا شك أن لكل شعب مهما كبرت أو صغرت درجته من الرقى المفكرى والعملى - أعرافه وعاداته المتأصلة ، وتقاليده الموروثة التي هي بمثابة القواعد القانونية التي تحكم تصرفاته ، وعقوده ومعاملاته .

وعلى أساسها تسير حياة أفراد هذا المجتمع في الجوانب الشخصية ، مثل الزواج ، أو الطلاق ، أو الدية ، أو العقوبات أو غير ذلك مما يسنه هذا المجتمع لشئون الحياة . ومن الطبيعى أن تختلف هذه العادات وتتباين تلك التقاليد بين مجتمع ومجتمع آخر في شعب واحد فعادات وتقاليد أهل الحضر تختلف عن مثيلتها عند أهل القرى أو سكان الصحراء ، وقد يرجع هذا الاختلاف لأسباب بيئية أو اجتماعية ، أو دينية أو اقتصادية ، أو سياسية ، أو لغير ذلك من الأسباب . وسوف أتعرض في هذا البحث لأهمية العرف والعادة والتقاليد في المسائل المتصلة بالزواج عند العرب قبل الاسلام وبعده ، والطرق التي كان يتم بها ، ومتى نشأت عقود هذا الزواج ومتى اتخذت كوثيقة قانونية وما هي الأسباب التي دعت الى ذلك

وربما يسأل سائل : ما هو العرف وما هي العادة ؟ وهل تأخذ الشرائع بما ألفه الناس فيهما ؟

والجواب ان العرف فى رأى الفقهاء هو الأمر الذي اطمأنت اليه النفوس وعرفته ، وتحقق فى قرارتها وألفته مستندة في ذلك الى استحسان العقل ولم ينكره أصحاب الذوق السليم في المجتمع (1) وهو في رأى علماء الاجتماع : كل شيء يتابع الناس فيه بعضهم بعضا سواء كان مصدره

العقل أو الغريزة أو الصدفة والاتفاق (۲) والحنفية يقرون العرف ويجعلون الثابت به كالثابت من النص ، ويعتمدون على ما ورد في الأثر ( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن » ويقولون كذلك :

والعرف في الشرع له اعتبار

لذا عليه الحكم قد يدار

وقد ورد لفظ العرف في القرآن الكريم في قوله تعالى ( خذ العفو وأمر بالعرف ) (۳) وتفسير الفقهاء لهذه الآية : كل ما شهدت به العادة قضی به ، إلا أن يكون هناك بينة ، وقد يكون هناك تلازما بين العرف والعادة مع وجود فارق بسيط بينهما ، فالعرف مقيد وخاص ، والعادة مطلقة وعامة (٤) . وعلى ذلك نجد أن الشريعة الاسلامية الغراء أقرت أشياء من العرف والعادات التي كانت موجودة عند العرب قبل الاسلام وأبطلت أشياء أخرى .

أما ما أقرته الشريعة السمحة فهو يتفق وكريم المعادات وفضائل يحرمون الأخلاق فقد كان العرب في جاهليتهم - بل وشعوب أخرى (٥) . على الرجل أن يتزوج بأمه ، وبنته وأخته ، وعمته ، وخالته ، وبنت الأخ ، وبنت الأخت ، فجاء الاسلام وأقرهم على هذا العرف ، وأيد هذا التحريم في قوله تعالى ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ) (٦) كذلك كان كثير من العرب لا يجمعون بين الأختين ، فأقر الاسلام هذا العرف ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف » (۷) وكانوا يكرهون زواج أكبر الأبناء بزوجة أبيه بعد وفاته بل كثير منهم كانوا يمقتون هذا الزواج ويبغضونه ، ولذلك سموه زواج المقت ، وأطلقوا على الابن الذي يولد نتيجة هذا الزواج ( المقتى ) (۸) فأقر الاسلام هذا العرف ، « ولا تنكحوا ما نكحأباؤكم من النساء إلا ما قد سلف أنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) (۹) حقيقة أن العرب عرفت أنواعا أخرى من الزواج مثل نكاح الاستبضاع (١٠) ونكاح الخدن (۱۱) وزواج المتعة (۱۲) وزواج الشعار (۱۳) وتعدد الزوجات (١٤) وقد حرمت الشريعة الاسلامية هذه الأنواع من الزواج

لمضارها الاجتماعية والخلقية واختلاط الأنساب وعدم مواءمة هذه الأنواع من النكاح الى الفطرة السليمة .

ويبدو لنا أن هذه الأنواع من الزواج لم تكن شائعة بين العرب ولم يقدم عليها الا الشباب المتهور الذي لا يخلو منهم عصر ولا قطر ، وكانت هذه الأنواع من الزواج غير مستحبة عند العرب ولا مرضيا عنها من عامة الأمة العربية .

أما تعدد الزوجات فقد قيدته الشريعة بأربع زوجات فقط (١٥) وأباحته لضرورات أحصاها فقهاء الشريعة ، ووضعت شروطا له من أهمها 6 العدل بين الزوجات ، ومع كل هذه الشروط والقيود نجد أن الاسلام بحث على الاكتفاء بزوجة واحدة ، يتضح لنا ذلك في قوله تعالى ( وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ) (١٦) .

كانت هذه هي أنواع الزواج عند العرب في جاهليتهم ، فما هو نظام هذا الزواج أو ما هي الطريقة التي كان يتم بها ؟

نستطيع أن نستخلص من رواية ام المؤمنين عائشة ( رض ) أن جموعا من العرب كانت تتبع نفس النظام الذي ساد في الدولة الاسلامية ، فالمرأة تخطب الى واليها ، وتعطى صداقها . ففيما ترويه عائشة ( رض ) قولها : « كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء ، منها نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل الى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها » (۱۷) .

ومعنى هذا أن المرأة كانت تتزوج بمن يرتضيه أهلها لها من الرجال دون استشارتها في كثير من الأحيان بل دون استشارة الزوج المرتقب كذلك ، فولى الزوجة ووكيل الزوج - وغالبا يكونا الوالدان ـ يتفقان على تزويج فلان الفلانه ويعتبر الموضوع منتهيا ، ومازالت هذه العادات المكروهة سائدة حتى وقتنا الحالي في غير قليل من مجتمعات شبه الجزيرة العربية وفي بعض مدن وقرى البلاد العربية عامة رغم منافاتها

للشريعة الاسلامية الغراء فعن رسول الله ( ص ) أنه قال : « لا تنكحالأيم حتى تستأمر ، ولا البكر حتى تستأذن » قالوا يا رسول الله وكيف اذنها ؟ قال : أن تسكت (۱۸) .

ومع أن هذه العادة كانت هي السائدة الا أن بعض القبائل المتحضرة نسبيا والتي كانت تسكن المدن كانت تستشير بناتها عند الزواج وربما كان هذا من قبيل الاستشارة فقط ، لأن البنت لم تكن تجرؤ على أن تقول لا ، الا في حالات نادرة ، وكانت تلجأ عادة الى الصمت والى تفويض والدها يفعل ما يشاء (١٩)

ومن البنات اللائي استشرن عند الزواج هند بنت عتبة ، فقد جاءها أبوها وأخبرها بأن رجلين أقبلا لخطبتها فقالت له صفهما لي ! فلما وصف كلا منهما لها ، اختارت الثاني لصفات أعجبت بها ، منها الرجولة والشهامة وحرصه وغيرته على أهل بيته ، وكان هذا الوصف عن أبي سفيان ابن حرب ، وهى لا تدرى عنه شيئا فزوجها أبوها له كما طلبت (۲۰) .

ومنهن كذلك صغرى بنات أوس بن حارثة الطائي فعندما جاء المحارث بن عوف الملقب ( بسيد العرب » الى أوس ليخطب احدى بناته وكان له ثلاث بنات (۲۱) فعرض أمر الخطبة على كل من الكبرى والوسطى فرفضتا ثم عرضه على الصغرى فقالت له : أنت وذلك . فأخبرها أبوها برفض أختيها فقالت : لكنى والله للجميلة وجها ، الصناع يدا ، الرقيقة خلقا ، الحسبية أبا ، فان طلقني فلا أخلف الله عليه بخير . فزوجها أبوها بموافقتها (۲۲) .

ومنهن من رفضت وأعلنت ذلك صراحة مثل الخنساء (۳۳) فعندما تقدم لها دريد بن الصمه :

قالت :

أتكرهني هبلت على دريد معاذ الله أن يرضعني (٢٤) حبركي

وقد أحرمت سید آل بدر قصير الشبر من جشم بن بكر

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Abdelrahman تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

2

متابعهم

3

مقالات مشابة
-