مفهوم "المعاشرة الجميلة" والذكاء  في التعامل

مفهوم "المعاشرة الجميلة" والذكاء في التعامل

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

قانون "المعاشرة الجميلة": الدرس الأهم الذي نحتاجه اليوم في علاقاتنا

​هل تساءلت يوماً: هل يجب علينا حقاً أن نحب كل شخص نتعامل معه؟ هل تشترط سلامة العلاقات الإنسانية والمهنية أن تصفو القلوب تماماً، أم أن هناك مساحة خفية تسمح لنا بالتعايش الذكي حتى مع من لا نطيقهم؟

​في عالمنا المعاصر، نقع كثيراً في فخ "المثالية المفرطة"؛ نتوقع من شريك العمل الأمانة المطلقة، ومن الجار اللطف الدائم، ومن الأصدقاء الوفاء الذي لا تشوبه شائبة. وعندما تصطدم هذه التوقعات الوردية بالواقع، نصاب بالاحباط والاكتئاب. لكن التاريخ الإسلامي يخبئ لنا درساً نفسياً واجتماعياً بليغاً، يعيد صياغة مفهوم العلاقات الإنسانية من خلال قصة مذهلة جرت بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ورجلين دخلا الإسلام بعد رحلة طويلة من العداء.

​قصة عكاشة وطليحة: عندما يصطدم الدم بالواقع الجديد

​تبدأ تفاصيل القصة من مجلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بشر أصحابه بأن هناك سبعون ألفاً من أمته سيدخلون الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب. فقام صحابي جليل، وسيم الوجه، وفارس مغوار تتكسر السيوف في يديه، وهو عكاشة بن محصن، وقال: "ادعُ الله أن أكون منهم يا رسول الله"، فبشره النبي قائلًا: "أنت منهم". حاز عكاشة على هذه المكانة الاستثنائية التي فتحت له قلوب المسلمين ومحبتهم.

​تمضي الأيام، ويتوفى النبي صلى الله عليه وسلم، وتشتعل حروب الردة. وفي إحدى المعارك، يُقتل الفارس الاستثنائي عكاشة بن محصن. من قتله؟ قتله رجل ادعى النبوة يُدعى طليحة الأسدي. كانت صدمة كبيرة للمسلمين أن يقتل هذا المرتد أحب الناس إليهم.

​دارت الأيام دورتها، وتولى عمر بن الخطاب الخلافة. وفي أحد الأيام، جاء طليحة الأسدي تائباً ليعلن إسلامه بين يدي عمر. نظر إليه عمر بن الخطاب بقلبه الإنساني الموجوع، ولم يعاقبه بجريمته السابقة لأن الإسلام يجبّ ما قبله، ولم يرفض إسلامه. لكنه عبر له عن مشاعره الإنسانية الصادقة قائلًا: "قتلتَ عكاشة.. لا يحبك قلبي أبداً!".

​هنا جاء رد طليحة الواقعي والعملي ليصيغ لنا قانوناً اجتماعياً مدهشاً، إذ قال: "لا بأس يا أمير المؤمنين، ولكن معاشرة جميلة، فإن الناس تتعايش مع البغضاء".

​ما هي "المعاشرة الجميلة"؟

​كلمة طليحة الأسدي تلخص الدرس الذي نحتاجه تماماً في حياتنا المعاصرة. "المعاشرة الجميلة" تعني:

  • فصل المشاعر عن الحقوق والواجبات: لست مطالباً بأن تحب رئيسك في العمل، أو زميلك، أو حتى جارك المزعج، ولكنك مطالب بإعطائهم حقوقهم، والالتزام بالأصول والحدود والواجبات المتبادلة.
  • الأصول في التعامل: أن تكون المعاملة قائمة على "هات وخذ" بالمعروف، والالتزام بالكلمة الطيبة والوفاء بالعهود، مع ترك ما في الصدور للصدور.

​لم يقتصر هذا الموقف على طليحة وحده؛ فعمر بن الخطاب نفسه واجه موقفاً مشابهاً مع قاتل أخيه زيد بن الخطاب. عندما جاءه القاتل مسلماً، قال له عمر صراحة: "والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم". فسأله الرجل بذكاء: "أويمنعني هذا حقي؟" قال عمر: "لا". فرد الرجل ببرود وثقة: "لا بأس، إنما يأسف على الحب النساء!".

​الواقعية في مواجهة المغفلين

​من الغفلة بمكان أن نتخيل أن الدنيا ستكون جنة يملأها الأوفياء والأنقياء فقط. الطبيعي والمنطقي في هذه الحياة أن تجد في عملك من لا يشبهك، وفي محيطك من يزعجك، وفيمن عاصرتهم الوحش، والنذل، وعديم التربية.

​الغريب ليس وجود هؤلاء؛ الغريب هو أن تتفاجأ بوجودهم، وتسمح لـ "عدم محبتهم" لك بأن تصيبك بالإحباط والاكتئاب. الحياة تتطلب منا في أوقات كثيرة جداً أن نعيشها ونتقاسم تفاصيلها اليومية مع أشخاص نكرههم أو يكرهوننا.

​القلوب لها سلطان ليس بأيدينا، ومحبتنا وكرهنا موضوع إنساني بحت. لكن ما سنحاسب عليه أمام الله، وأمام ضمائرنا، هو موقفنا وسلوكنا.

​كن ذكيًا عاطفيًا

​الذكاء الحقيقي في العلاقات يتلخص في الآتي:

  1. لا تفتش في القلوب: لست بحاجة لفتح قلوب الناس ومعرفة ما يكنونه لك قبل التعامل معهم. دع القلوب لعلام الغيوب، وركز على ظاهر المعاملة.
  2. حاسبهم على الأفعال لا المشاعر: حاسب الناس على ما يفعلونه معك من التزام بالحقوق، وليس على مقدار محتبهم لك.
  3. لا تدع مشاعرك تخل بالميزان: تعلّم من عمر بن الخطاب؛ فرغم الدم والكره، لم يمنع أحداً حقه. الحقوق حقوق، والواجبات واجبات، والمشاعر تظل جانباً.image about مفهوم
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد خالد تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-