الله المستعان: خواطر من سورة يوسف سلوى كل محزون

الله المستعان: خواطر سورة يوسف سلوى كل محزون
نبذة عن المقال
" الله المستعان "كلمة لا تُقال من ضعف، بل من يقين أن كل ما في القلوب يراه الله، وأن ما تعجز عنه أيدينا تتولاه رحمته.
فالله غالب على أمره.
تعلمت من سورة يوسف أن الحياة لا تُفهم من أول مشهد، وأن بعض الألم لا يُفسَّر إلا بعد وقت طويل.
تعلمت أن الله لا يترك عبدًا أحسن الظن به، وأن الابتلاء لا يأتي عبثًا، وأن كل تأخير وراءه حكمة، وإن لم نرها في وقتها.
إذا ضاقت بك الدنيا، وأُغلقت في وجهك الأبواب، فتذكّر أن الله يراك، وأن الابتلاء لم يكن جهلًا بحالك، بل علمًا بك، وأن تأخير الفرج لم يكن قسوة، بل حكمة.
وقبل كل شيء، تذكّر أن الله لطيف بما يشاء.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾
[يوسف: 100]
فالبئر كان الوسيلة إلى العرش، وكان القدر في أوله مؤلمًا لا يُحتمل، ثم جاء الفرج من حيث لم يكن يُتوقع.
وسبحان من يقدّر الأسباب، ومن رحم هذا القدر يأتي أعظم الفرج.
فكم من أمرٍ ظننّاه شرًّا، وكان في علم الله طريقًا إلى خيرٍ لم نكن نراه.
فصبرٌ جميل.
صبرٌ بلا شكوى إلى الخلق، وبلا جزع، وبلا سخط على قدر الله.
فلو كان الصبر عجزًا، ما قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[البقرة: 153]
وعندما يكون الله معك، فلا خوف عليك.
قد يضيق صدرك، وقد يطول الانتظار، وقد لا تفهم لماذا يحدث كل هذا، لكن وجود الله معك أعظم من كل ما تخشاه.
وعندما يكون الله معك، فلا خوف عليك.
"لأنك الله، لا خوف ولا قلق ،
ولا غروب ولا ليل ولا شفق.
لأنك الله، قلبي كلّه أمل،
لأنك الله، روحي ملؤها الألق."
والله المستعان…
حين تُغلق الأبواب، وتضيق الأسباب، ولا يبقى لك إلا الله
الخاطرة الأولى: حين تضيق الأسباب
الحياة لا تُفهم من أول مشهد
أكثر ما لمس قلبي في سورة يوسف أنني كلما تأملت أحداثها، وجدت أن المشهد الأول لم يكن يشبه النهاية أبدًا.
تخيّل يوسف عليه السلام وهو يُلقى في البئر…
لو نظرنا إلى هذا الموقف وحده، لقلنا: ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك؟ طفل ألقاه إخوته في بئر، بعيدًا عن أبيه، لا يعرف ماذا ينتظره، ولا يعلم كيف سيخرج من هذا المكان.
لكن يوسف لم يكن يرى ما نراه نحن الآن بعد أن عرفنا القصة كاملة.
وهنا توقفت.
كم مرة مررنا نحن أيضًا بموقف يشبه البئر؟
كم مرة أُغلق أمامنا باب، أو خسرنا شيئًا كنا نريده بشدة، أو ابتعد عنا شخص، أو تأخر أمر انتظرناه طويلًا، فظننا أن ما حدث هو نهاية الطريق؟
نحن غالبًا نحكم على الأحداث من اللحظة التي نعيشها، لأننا لا نرى إلا المشهد الحالي.
أما الله، فيرى القصة كاملة.
يوسف عليه السلام لم يكن يعلم ماذا ينتظره في البئر، لكنه كان داخل تدبير الله.
ثم خرج من البئر، وانتقل إلى مرحلة أخرى، ثم بيع، ثم انتقل إلى بيت العزيز، ثم تعرض للفتنة، ثم دخل السجن، ثم خرج من السجن إلى التمكين.
كل مرحلة كانت تبدو وكأنها تبعده عن المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، بينما كانت في الحقيقة تقوده إليه.
وهذا يجعلني أتوقف عند كل أمر يؤلمني وأقول:
هل أنا فعلًا أعرف أن هذا شر؟ أم أنني فقط لا أعرف نهايته بعد؟ و هل من الممكن أن الذي أمر به و أراه أبوابا مغلقة هو نفسه الذي يقودني إلى أجمل الأشياء التي لم أضعها في الحسبان.
قد لا نفهم لماذا تأخر أمر تمنيناه، ولماذا أُغلق باب كنا نظنه مناسبًا لنا، ولماذا حدث شيء لم نكن مستعدين له.
لكن سورة يوسف تعلّمنا ألا نحكم على القصة من أول صفحة.
إذا ضاقت عليك، وأُغلقت أبواب الأسباب، فلا تنسَ أن الله يراك ، هذه السورة الكريمة سلوى كل محزون.
قد لا تعرف لماذا ابتُليت، وقد لا تعرف لماذا تأخر الفرج، قد يتأخر سنوات و أعوام و أنت في أمس الحاجة أن يكون اليوم ، و لكن الله قدر لك خيرا ،و لكن لم يأت وقته بعد،فيرى منك الصبر ليجزيك به خير الجزاء ،و يثلج قلبك بما هو خير لك ،لأن الله بعباده خبير بصير.
ولذلك لا تجعل ألم اللحظة يخبرك أن قصتك انتهت.
فيوسف عليه السلام لم يكن يعلم أن البئر بداية، ولم يكن يعلم أن السجن طريق، ولم يكن يعلم أن وراء كل هذه الأحداث تمكينًا.
وأنت أيضًا قد لا تعلم ماذا يخبئ الله لك بعد هذا المشهد.
فاصبر و لا تعجل فما جاء من عند الكريم إلا الخير.