«نحري دون نحرك».. قصة أبو طلحة الأنصاري الذي فدى رسول الله ﷺ بنفسه

<<نحرى دون نحرك>>.. قصة أبو طلحة الأنصاري الذي فدى رسول الله ﷺ بنفسه
في لحظات الخطر تظهر حقيقة الإنسان، فهناك من يتحدث عن الشجاعة، وهناك من يقف بجسده أمام الخطر دفاعًا عمن يحب. ومن بين أصحاب رسول الله ﷺ يلمع اسم أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه، ذلك الصحابي الذي جمع بين الشجاعة والكرم والصبر، وترك في سيرته مواقف تكشف مقدار حبه لله ورسوله ﷺ.
فمن هو أبو طلحة؟ وما قصة الرجل الذي وقف يوم أُحد يحمي رسول الله ﷺ، ثم ترك أحب أمواله ابتغاء مرضاة الله؟
من هو أبو طلحة الأنصاري؟
هو زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي، من كبار الأنصار وأهل المدينة، وكان من الرماة المهرة، وشهد مع رسول الله ﷺ عددًا من المشاهد، وكان من الرجال المعروفين بقوة الإيمان والثبات.
لكن أشهر ما يلفت النظر في سيرته ليس عدد الغزوات التي شهدها، وإنما المواقف التي ظهر فيها صدقه بصورة لا تحتاج إلى كثير من الكلام.
«لا تُشرف يا رسول الله.. نحري دون نحرك»
في غزوة أُحد اشتد القتال، واضطربت صفوف المسلمين، وكان رسول الله ﷺ في موقف شديد الخطورة.
وهنا ظهر أبو طلحة رضي الله عنه.
كان من أمهر الرماة، وظل قريبًا من رسول الله ﷺ يحاول حمايته من سهام المشركين. ومن شدة حرصه على النبي ﷺ كان يقول له:
«لا تُشرف يا رسول الله، نحري دون نحرك».
أي: لا ترفع نفسك فتظهر أمام العدو، فإن صدري وعنقي فداء لك.
يا لها من عبارة قصيرة، لكنها تحمل معنى عظيمًا!
لم يكن أبو طلحة يقول للنبي ﷺ: "أنا شجاع"، وإنما كان يجعل نفسه بالفعل حاجزًا بين رسول الله ﷺ وبين الخطر.
وكان النبي ﷺ يستفيد من مهارته في الرمي، ويحثه عليه، فظل أبو طلحة ثابتًا في ذلك الموقف العصيب.
لقد كان حبه للنبي ﷺ حبًا ظهر وقت الخطر، عندما لم يكن أمامه إلا أن يختار بين سلامته الشخصية وبين حماية رسول الله ﷺ.
أحب أمواله إليه.. بستان «بيرحاء»
لكن شجاعة أبي طلحة لم تظهر في ميدان القتال فقط.
كان أبو طلحة رضي الله عنه يملك بستانًا من النخيل يُعرف باسم «بيرحاء»، وكان هذا البستان أحب أمواله إليه، وكان قريبًا من المسجد النبوي، وكان فيه بئر ماء طيب، وكان النبي ﷺ يدخل البستان ويشرب من مائه.
وهنا تأتي واحدة من أجمل مواقف أبي طلحة.
أنزل الله تعالى:
﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
[آل عمران: 92]
فلم تمر الآية على أبي طلحة مرورًا عابرًا.
ذهب إلى رسول الله ﷺ وقال إن أحب أمواله إليه بيرحاء، وإنه جعلها صدقة لله، يرجو برها وذخرها عند الله.
فقال له النبي ﷺ:
«بَخٍ، ذلك مالٌ رابح»،
ثم أشار عليه أن يجعلها في الأقربين، فاستجاب أبو طلحة وقسمها في أقاربه وبني عمه.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم: بيرحاء كانت بستانًا، وكان فيه بئر ماء، وأبو طلحة رضي الله عنه تصدق بالبستان، وليس بالبئر وحدها.
وهذا الموقف يكشف جانبًا آخر من شخصية أبي طلحة؛ فالرجل الذي وضع جسده أمام السهام دفاعًا عن رسول الله ﷺ، هو نفسه الرجل الذي استطاع أن يتخلى عن أحب أمواله عندما علم أن إنفاق ما نحبه من أعظم أبواب البر.
وعندما جاء الابتلاء.. ظهر الصبر
ومن أكثر المواقف تأثيرًا في حياة أبي طلحة رضي الله عنه ما حدث عند وفاة ابنه من أم سليم رضي الله عنها.
كان موقفًا مؤلمًا، ومع ذلك ظهر صبر أم سليم واحتسابها، ثم أخبرت أبا طلحة بوفاة ابنه.
ذهب أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ، فدعا لهما النبي ﷺ بالبركة، ثم رزقهما الله بعد ذلك غلامًا سُمّي عبد الله، وكان من ذريته خير كثير.
إنها قصة لا تخفي ألم الفقد، لكنها تعلمنا كيف يمكن للإيمان أن يمنح الإنسان قوة الصبر عندما تأتيه المصائب التي لا يستطيع دفعها.
رجل لم يتوقف عطاؤه حتى آخر الطريق
ومع تقدم أبي طلحة في العمر، لم يتوقف شعوره بالمسؤولية تجاه دينه.
وتذكر الروايات أنه لما قرأ قول الله تعالى:
﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾
رأى أن الآية تشمل الجميع، وطلب من أبنائه أن يجهزوه للخروج، رغم كبر سنه.
وخرج غازيًا في البحر، وتوفي أثناء الرحلة.
وهكذا انتهت حياة رجل عاش الإيمان في صور متعددة: شجاعة عندما كان الخطر قريبًا، وكرم عندما تعلق الأمر بأحب أمواله، وصبر عندما جاء الفقد، وثبات حتى آخر العمر.
وربما تبقى كلمته يوم أُحد من أكثر ما يلخص شخصيته:
«لا تُشرف يا رسول الله، نحري دون نحرك».
فهي ليست مجرد كلمات قيلت في لحظة خوف، بل موقف يلخص معنى الوفاء عندما يتحول الحب إلى تضحية حقيقية.
رضي الله عن أبي طلحة الأنصاري، وعن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق