خطب الجمعة: { كيف نجح رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسالته } | اتباع الحق
العناصر
1- الصعوبات التي واجهت رسول الله في دعوته
2-مظاهر الإصلاح الديني والدنيوي التي أحدثها النبي
3-مميزات محمد عن باقي الأنبياء
4- ورثت أمته الإصلاح وذلك لم يكن لنبي قبله
5- ثمرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جابر كسر الفرائض بالنوافل ومقدر أرزاق الخلائق قبل الأوائل فلا تغيض خزائنه ولا ينقصها الإنفاق نحمده سبحانه على ماأعطى ونسأله جل جلاله غفران الخطل والخطأ ونشهد أنه الله الذي عمت رحمته العالمين بكل الآفاق ونشهد أن سيدنا محمدا عبده الذي فتحت به من الرحمات أبوابها ورسوله الذي أغلقت به من المثلات أشباهها أجود العالمين وأكرمهم باتفاق صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الأبرار وأصاحبه المتصدقين آناء الليل وأطراف النهار صلاة وسلاما ننظم بهما في سلك من استغنى عن الخلق بأنك الخلاق,
1- الصعوبات التي واجهت رسول الله في دعوته 1- لقد كان العرب غارقين في الجهالة من جميع جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية على حد سواء فكانوا يقطعون الأرحام ويسيئون الجوار ويأكلون الميتة ولا يحفظون للناس حقوقهم ويستحلون أموال الناس بالباطل ولا يعطون الضعيف حقه كالمرأة والمسكين والغريب الذي جاءهم مسافرا من مكان بعيد وليس له عصبية تحميه ولم تكن لديهم صنعة يشتهرون بها أوحضارة يتباهون بها
2- برغم وجود الكعبة في مكة واجتماع العرب لها في أيام الحج مما أعطى قريشا شرفا عظيما بين العرب وجعل لها السيادة بينهم فإنه لم تكن لهم أية وسيلة اتصال بالعالم الخارجي ولم يكن لديها ساحل بحر مثلا يسافر الناس عن طريقه بل كانت محاطة بالصحراء من كل جانب وهذا جعلها منعزلة عن العالم
3-الفرقة والتنازع بين قبائل العرب وعدم وجود وحدة قومية بينهم
2- مظاهر الإصلاح الديني والدنيوي التي أحدثها النبي 1- نجح فيما فشلت فيه اليهودية والنصرانية في محاولة لإصلاحهم بل إن العرب لم يتأثروا ببعض تعاليم اليهودية أو المسيحية أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حول العرب من مجتمع بربري متوحش إلى مجتمع صالح ومصلح في مختلف المجالات السياسية والإجتماعية والأخلاقية فظهر من العرب أعظم الزهاد العابدين وفي نفس الوقت أعظم العلماء والمخترعين النافعين للناس
2- في مجال الحروب والمعارك احتلوا مكان الصدارة في الفتوحات حتى قيل عن جنود المسلمين "لو استقبلوا الجبل بصدورهم لأزالوها" وذلك لما جاءت رسل المقوقس إليه، فسأل عن حال جند المسلمين قال: لهم كيف رأيتموهم؟ قالوا (اسمع معي جيداً.. هذا المعنى الأرقى للحياة.. وهذه صفات الرجولة الحقة): "رأينا قوما الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحبّ إليه من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يُعرف رفيعُهم من وضيعهم، ولا السيّد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلّف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم".
فقال عند ذلك المقوقس (وقد أذهله وجود رجال في ها العالم هكذا.. ولكنهم.. صناعة الاسلام!): والذي يحلف به لو أنّ هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل، لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم. فكانت الامبراطوريات العظمى تتهاوى أمامهم
4-أنشأوا إسلوبا في السياسة يسوسون به الناس حفظت عليهم ملكهم مئات السنين ويجعل الناس يحبون أن يحتكموا إليهم وإلى منهجهم الإصلاحي
3- مميزات محمد صلى الله عليه وسلم عن باقي الأنبياء 1-أنه من أعظم المصلحين في البشرية ولايقاس عظمة المصلح بمقدار اجتهاده ولكن بعدد من أصلحهم وبكثرة أتباعه
2-كان النبي يبعث إلى قومه خاصة ,أما محمد صلى الله عليه وسلم فبعث إلى الناس كافة وهذا من شأنه أن يبعث كل نبي بشريعة تناسب بيئة قومه فهناك قوم موسى قد اشتهروا بالسحر وقوم عيس اشتهروا بالطب وقوم صالح تميزوا بضخامة البنيان وشدة البأس وقوم سليمان ذو حضارة وعلم وعليه فقد اختلفت الشرائع كل على حسب بيئته أما مخمد فقد بعث بشريعة تناسب جميع البيئات في العالم وتناسب جميع العصور من بعده فهو النبي الخاتم
3- كان كل نبي يدعو قومه إلى التمسك بالقومية أما محمد فكان يدعوا إلى المساواة وإذابة تلك القومية والسبب في ذلك أن وسائل الاتصال بين الأمم كانت شبه معدومة أما اليوم فأصبح العالم كله قرية واحدة
4-كان لكل نبي خاصية مميزة له تناسب بيئة أمته أما محمد فجمع كل خصائص وفضائل الأنبياء السابقين فكانت عنده رجولة موسى ورقة قلب هارون وبراعة يوشع بن نون في قيادة الجيوش وصبر أيوب وجرأة داوود وهكذا...
5- جمع كل صفات العظمة التي تجتمع لمخلوق فإذا كانت العظمة في حق الله -تبارك وتعالى- مطلقة فهي في حق المخلوق تكون على قدره ومنه قوله تعالى وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23]، وأما في حق محمد صلى الله عليه وسلم فتنسب إليه العظمة بكل مقياس من مقاييس البشر فإننا نجد أن كل عظيم من البشر كانت عظمته على قدر منجزاته في مجال واحد أما محمد فعظمته تفوقهم جميعا كل في مجال على حدى ولنضرب لذلك أمثلة
-إذا كان المقياس هو إصلاح شعب فليس مثله صلى الله عليه وسلم الذي حول أمة العرب من أمة جاهلة بربرية إلى أمة حاملة راية الحضارة والمعرفة
-وإذا كان المقياس هو توحيد عناصر المجتمع المتنافرة فليس مثله صلى الله عليه وسلم الذي حول أمة العرب من قبائل متناحرة ومتقاتلة إلى أمة واحدة وتحت راية واحدة هي راية التوحيد
-وإذا كان المقياس هو إقامة مملكة الله في الأرض فليس مثله صلى الله عليه وسلم الذي محا الوثنية من بلاد العرب وأقام التوحيد بدلا منها
-وإذا كان المقياس هو في الفتوحات والانتصارات فليس مثله صلى الله عليه وسلم الذي تحول من منزلة يتيم بائس إلى منزلة ملك مؤسس لأعظم إمبراطورية في التاريخ
-وإذا كان المقياس هو حسن الخلق فليس مثله صلى الله عليه وسلم الذي سماه أعداؤه "الصادق الأمين"
-وإذا كان المقياس هو تأثير روح الزعيم في أتباعه فليس مثله صلى الله عليه وسلم الذي يحبه أتباعه ويقدمونه على أنفسهم حتى وهو ميت في قبره إذا ذكر اسمه تجد القلوب تهفو حبا له والألسنة تلهج بالصلاة عليه والعزائم تهم لنصرته
6- أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ثمرة بيئته فواقع الحال أن كل عظيم يتأثر بالبيئة التي نشأ فيها فتجد الفاتح العظيم هو ثمرة بيئة محاربة والشاعر العظيم هو ثمرة بيئة تعشق الشعر وهكذا أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد نشأ في ظل مجتمع قد اتصف بالجهل والوثنية وقطع الأرحام وأكل مال اليتيم وسوء الجوار لكنه أصبح مصلحا علم البشرية كلها كيف تعيش الشعوب المتباينة في الجنس والدين في سلام عام وشامل
الخطبة الثانية
4- ورثت أمته الإصلاح وذلك لم يكن لنبي قبله لقد ميز الله تعالى أمة مخمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء بأن ورثت أمته مهمة الإصلاح الذي دعا به ونشره في البشرية عن قتادة قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في حجّة حجّها ورأى من الناس رِعَة سيئة، فقرأ هذه: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، الآية. ثم قال: يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها. فأمة محمد وحدها هي التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فواجبنا الأكبر هو أن ننصر الحق وألا نسكت عن الباطل
5-ثمرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 1-النجاح والفلاح لقوله تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:
2- انها من علامة الإيمان لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- من رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيدِه فإن لم يستطعْ فبلسانِه . فإن لم يستطعْ فبقلبِه . وذلك أضعفُ الإيمانِ رواه مسلم
3- تنزل عليهم رحمة الله تعالى وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71]،
أما إذا لم يتحملوا ارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فسينالهم عقاب من عند الله فقد روى
- أنَّ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رضيَ اللَّهُ عنْهُ خطبَ النَّاسَ على مِنبرِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: " أيُّها النَّاسُ إنَّكم تقرؤون هذِهِ الآيةَ وتضعونَها في غيرِ موضعِها: يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وإنِّي سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا المنْكرَ فلم يغيِّروهُ أوشَكَ أن يعمَّهم اللَّهُ بعقابِ من عندِهِ رواه أبو داوود الترمذي
هذا والله أعلم.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق