نور في عتمة الطائف
كان الفضاءُ يضيقُ بصدْر الرسولِ الكريم ﷺ بعد أن فَقَدَ في عامٍ واحد زوجتَهُ الخديجةَ -رضي الله عنها- وعمَّه أبا طالب، اللذَيْن كانا له السندَ والحِصْنَ. أظلمت الدنيا في عيون أصحاب الدعوة، وضيَّقت قريش الخِناقَ على المسلمين في مكة، فلم يعد فيها مجابٌ لنداء، ولا مستمعٌ لِرُشْد.
في تلك اللحظات العصيبة، قرر النبي ﷺ الخروج إلى "الطائف" رجاءَ أن يجد في قبيلة "ثقيف" آفاقاً جديدة للدعوة، أو قلوباً تهتدي بنور الإسلام. قطع ﷺ مع رفيقه زيد بن حارثة -رضي الله عنه- عشرات الكيلومترات مشياً على الأقدام وسط طريق جبلية واعرة، يحملان في أضلعهما همَّ هداية البشرية.
أقبل النبي ﷺ على سادة ثقيف يبتسم بالخير، ويعدهم برضا الله والجنان، لكن القلوب كانت أقسى من حجارة الطائف. لم يكتفِ سادة القبيلة برفض الدعوة بألفاظٍ جافة، بل حرَّضوا غلمانهم وسفهاءهم، فاصطفوا على جانبي الطريق يرمون نبي الرحمة بالحجارة، ويلاحقونه بالكلام المسيء، حتى سالت الدماء الشريفة من قدميه الطاهرتين، وكان زيد بن حارثة يلقي بنفسه دونه ليحميه ببدنه.
لجأ الرسول ﷺ إلى بستانٍ للوليد بن عتبة، واستظل بشجرةِ عنب، وهو مجهَدُ البدن، مكلومُ الفؤاد. هناك، رفع أكفَّ الضراعة إلى السماء، لا يدعو على من ظلموه، بل يشتكي ضعف قوته إلى مولاه، قائلاً بكلماتٍ خُلّدت في تاريخ الإيمان: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين...".
اقترب عَدّاس من النبي ﷺ ووضع العنب بين يديه قائلاً: "كُلْ".
مدَّ النبي ﷺ يده الشريفة وقال بصوتٍ يملؤه السكون: "بسم الله"، ثم أكل.
تعجب عَدّاس واندقّت النظرات في عينيه، وقال: "والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد!".
تطلع إليه النبي ﷺ برفق وسأله: "ومن أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟".
أجاب: "أنا نصراني، ورجل من أهل نينوى".
فقال النبي ﷺ: "أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟".
بهت عَدّاس واستغرب كيف يعرف هذا الرجلُ القادمُ من مكةَ نبيّاً قديماً في دياره، فقال: "وما يدريك ما يونس بن متى؟".
أجابه النبي ﷺ بيقين الأنبياء: "ذاك أخي، كان نبي وأنا نبي".
في تلك اللحظة، انزاحت حُجُب الظلام عن قلب عَدّاس، وشعر بنور النبوة يغمر البستان. لم يتمالك نفسه، فأكبّ على رأس النبي ﷺ ويديه وقدميه يقبلها ويدمُع، معلناً إيمانه بالحق الذي جاء به.
خرج النبي ﷺ من الطائف وجراحه تدمى، لكنه عاد بقلبٍ مطمئنٍ أشرق فيه إيمانُ رجلٍ واحد. كانت قصة "عداس" رسالة إلهية لطيفة تُخبرُه أن الخير باقٍ، وأن النور سيتسلل إلى أعتى القلوب مهما اشتد الظلام.
الدرس االمستفاد:
1: االصبر
2:أن النور سيتسلل إلي أعتي القلوب مهما اشتد الظلام.
3: المحاوله وعدم الياس.
4:الايمان بالله.

please login to be able to comment