المواطنة في الاسلام.. مقاربة جديدة

المواطنة في الاسلام.. مقاربة جديدة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات


المواطنة في الإسلام: مقاربة ومقارنة تعريفية
المواطنة مصطلح نشأ ضمن سياقات وتشكيلات بشرية قديمة، كاليونانيين والسومريين والفينيقيين، ثم أخذت أبعادًا واضحة في التجربة الإسلامية.

والمواطنة، باعتبارها قيمة، كانت لها أهمية كبرى، خاصة مع الثورة الفرنسية، والفكر في عصر التنوير والنهضة، اللذين أعلَيا من قيمتها، وأخذت بعدًا سياسيًا محددًا.
لكن منذ ثمانينيات القرن العشرين، تحولت المواطنة من قيمة نظرية إلى حقل معرفي ودراسي، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي وجدار برلين، وظهور العولمة.
وقد حدثت تغييرات عالمية كبرى، مثل تفكك المنظومة التقليدية للدول، وأصبح يُنظر إلى المواطنة باعتبارها أحد الحلول لمشكلات الدول ما بعد القومية.
فبدأ الناس يعيدون النظر في مفهوم الدولة التقليدية، التي تقوم على أساس أن هناك شعبًا ينتمي إلى قومية معينة، وبالتالي يجب أن تكون له دولة تمثل تطلعاته وطموحاته، أو دولة محايدة تحاول أن تصنع شعبًا ذا قومية محددة.

تعريف المواطنة وأشكالها
ما هي المواطنة؟
قبل أن ندخل في الموضوع الأساسي، وهو المواطنة في الإسلام، يجب أن نعطي نبذة مختصرة عن تعريف المواطنة، حتى نصل إلى معرفة ما إذا كانت المواطنة موجودة في الإسلام أم لا.
المواطنة، كما عرّفها العلماء، لها تعريفات كثيرة جدًا، لكننا سنأخذ معنا تعريفًا مختصرًا يسهل علينا فهمه، وهو:
(المواطنة هي شكل من أشكال الانتماء إلى جماعة سياسية في حيز جغرافي، يترتب عليه منظومة من الحقوق والواجبات.)
في هذا التعريف نجد مجموعة من العناصر. فإذا توفرت هذه العناصر في التجربة الإسلامية الأولى، تكون هناك مواطنة، وإذا لم تتوفر هذه العناصر، فلا :
-الانتماء.
ـوجود جماعة سياسية.
وجود آلية أو منظومة تضبط العلاقة بين أعضاء الجماعة.
وجود حيز جغرافي.
ترتب عليه منظومة من الحقوق والواجبات على هذا الانتماء.
اما أشكال المواطنة.فهي


أولًا: المواطنة السلبية
وهي المواطنة غير الفاعلة، التي تضمن الحقوق الأساسية فقط، وهي الحقوق المدنية.
فالمواطن في هذا النوع لا يشارك في العمل السياسي أو العمل العام، ولا يتدخل في عمليات التغيير أو صناعة الفعل السياسي، وبالتالي لا يريد من الحياة السياسية أو الدولة التي يعيش فيها سوى حقوقه المدنية، وحرياته، وحياته الذاتية، وما يضمن له الاستقرار.
ثانيًا: المواطنة النشطة والفاعلة
وهذا هو النوع الذي يمارس فيه المواطن تأثيرًا في صناعة القرار، وممارسة الحكم، والمشاركة من خلال مؤسساته وغيرها.
التطور التاريخي للمواطنة
هناك تاريخيًا ظهرت عدة صيغ للمواطنة.
فمثلًا، المواطنة في السياق الغربي اليوناني كانت مواطنة كلاسيكية، تمثلت في دولة المدينة، حيث يحكم الشعب نفسه بنفسه. وكان الحكم مقتصرًا على فئة معينة من الشعب، وهي الرجال والذكور، الذين كانوا يشاركون في مجالس الحكم. وكان هناك ما يُعرف بـ الديمقراطية المجالسية.
ثم ظهرت الحكم الرومانية الجمهورية، وكانت كذلك تسير، باختصار، وفق الصيغة الكلاسيكية للمواطنة الغربية. وكان كلا النموذجين يمثلان مواطنة نشطة وفاعلة.
ثم ظهرت مرحلة أخرى في الدولة الرومانية، وهي مرحلة الإمبراطورية الرومانية. فبعدما توسعت الدولة وزاد حجم المملكة، وكثر عدد المواطنين، لم يعد من الممكن عقد المجالس بالشكل الذي كان موجودًا في الحكم الجمهوري الروماني أو في دولة المدينة اليونانية.
وبالتالي، أصبحت المواطنة منحة من الإمبراطور الروماني للرعية أو للمواطنين، بحيث تكون لهم مجموعة من الحقوق، وعلى رأسها التمتع بالحماية من الإمبراطور الروماني.
وهذه المواطنة كانت سلبية، غير نشطة وغير فاعلة؛ لأن المواطنين لم يكن لهم تأثير حقيقي في الحياة السياسية، ولا في صناعة سياسات الدولة أو اتخاذ قراراتها.
التجربة الإسلامية
كانت المواطنة موجودة في التاريخ والسياق الإسلامي، ولكن لها سياق مختلف عن التجربة الرومانية واليونانية.
وبالنظر إلى الاستشراق والمستشرقين، نجد أن بعضهم لا ينكر فقط وجود أي منظومة للمواطنة في السياق الإسلامي، بل ينكر أيضًا وجود أي إرث فعلي للفعل السياسي ضمن الحضارة الإسلامية، حتى ظهر مصطلح «الاستبداد الشرقي»، في إشارة إلى عدم وجود أي قيم أو منظومات سياسية فاعلة.
وبالرغم من ذلك، فإن التجربة الإسلامية زاخرة بشدة بمفاهيم وقيم العمل السياسي، مثل الشورى، وآليات الفعل والتغيير، وأهل الحل والعقد وغيرها من المصطلحات.
بل إن مفهوم المواطنة، وهو مصطلح غربي، نجد أن الذين يعيشون ضمن سياق الدولة الإسلامية ظهرت لهم عقود رعاية تتوافق تمامًا مع حقوق المواطن.
فهناك قيم أساسية في الإسلام، مثل:
الشورى.
الاجتهاد.
الإجماع.
النهي عن المنكر.
الأمر بالمعروف.
وكل هذا يؤكد وجود الفاعلية في التراث الإسلامي، ولكن هل كانت هذه القيم مطبقة على صعيد الواقع؟ هذا موضوع يحتاج إلى أبحاث ودراسات كبيرة.
تجربة المدينة المنورة
نأخذ مثالًا على ذلك المدينة المنورة في عهد النبي ﷺ، فقد كانت أشبه، في بعض جوانبها، بدولة المدينة في عهد اليونان، مع وجود أوجه شبه واختلاف بين التجربتين.
فهناك شعب، وهناك منظومة حكم يتم من خلالها إدارة المجتمع، وهناك شكل من أشكال الدستور، وهو دستور المدينة، الذي كان ينظم شكل العضوية في المجتمع: من هم سكان المدينة؟ وما حقوقهم؟ وما واجباتهم؟ وكيف تتم إدارة شؤونهم في حالة التنازع؟
كما كان هناك شكل من أشكال العلاقات بين مختلف السكان، وكان لهم دور في صياغة هذا الدستور بأنفسهم. وتذكر الوثائق التاريخية أن المسلمين وغير المسلمين اجتمعوا وتداولوا حتى وصلوا إلى تلك الصياغة النهائية.
فكان هناك مؤسسات فاعلة وحقيقية قائمة، مثل مؤسسة المسجد، التي كان لها دور مهم وفاعل في أمور تتجاوز العبادة.
فقد كان المسلمون يتشاورون في المسجد ويتداولون في القرارات. وكثير من القرارات المتعلقة بالحرب والسلم، والدعوة، وإرسال الرسل، كانت تُناقش في المسجد.
كما أن دستور المدينة أعطى نوعًا من أنواع الحكم الذاتي؛ لأن المدينة في ذلك الوقت كانت عبارة عن كتل ومناطق متباعدة، وليست على الصورة التي نعرفها اليوم.
فكان لكل منطقة قدر من الاستقلال في إدارة شؤونها، وكانت هناك مساجد متعددة، مثل مسجد قباء، وكان لكل جماعة مسجدها، مع اجتماع المسلمين مع النبي ﷺ في المسجد النبوي.
وكانت هناك منظومة كاملة من الحقوق والواجبات.
وعند النظر إلى الطيف الاجتماعي في المدينة الإسلامية، نجد مؤسسات فاعلة، مثل مجالس الأعيان ومجالس الأوقاف، التي كانت تقوم بأدوار خدمية يمكن مقارنتها، من بعض الجوانب، بالأعمال الخدمية التي تقوم بها البلديات في العصر الحديث.
كما وُجدت النقابات المهنية أو التجمعات التي كانت تنظم بين الناس وأعمالهم، مثل جماعات الباعة والحرفيين والعطارين وغيرهم.
وكان المسجد، على مدار التاريخ الإسلامي، مكانًا للنقاش والتداول العلمي والتشريعي؛ حيث كان العلماء يدرّسون الطلاب، وكان العوام يسألون ويشاركون.
وكانت هناك خلفيات اجتماعية مختلفة، وكان للجميع الحق في دخول المسجد، ولم يكن حكرًا على فئة معينة.
وهذا يختلف عن بعض المجالس في التجربة اليونانية، حيث كانت المشاركة السياسية مقتصرة على فئات محددة، مثل الرجال الأحرار، مع استبعاد العبيد والنساء ومن لا يملكون الأملاك.
المواطنة في الإسلام: أسس المواطنة ونماذجها

المواطنة تقريبًا تقوم على أساسين:

الأول: وجود شكل وآلية ما لتنظيم وجود الجماعات البشرية داخل المدينة الإسلامية.

الثاني: الفعل النشط، من خلال وجود مؤسسات اجتماعية، كالعلماء والمساجد والنقابات المهنية، تمكّن المسلمين من ممارسة شكل من أشكال الفعل السياسي.

وكما تعرفنا، فإن التجربة الإسلامية قدمت نموذجين:

النموذج الأول: دولة المدينة في عهد المدينة المنورة.

النموذج الثاني: الإمبراطورية الإسلامية.

فبعد الفتوحات، أصبحت المواطنة في عهد الإمبراطورية مواطنة غير نشطة، وكانت تضم المسلمين وغير المسلمين، وكان تأثير المواطنين في القرار العام في حده الأدنى وضعيفًا، بسبب توسع الدولة وكثرة مواطنيها.

وقد يكون المواطن نشطًا وفاعلًا داخل مدينته المحلية، ولكنه غير نشط ولا يؤثر في القرار على مستوى الإمبراطورية بشكل عام.

نماذج المواطنة في العالم

نشير هنا إلى إحدى المشكلات المهمة جدًا، وهي أن هناك أنواعًا مختلفة من المواطنة على مستوى العالم، منها:

المواطنة الليبرالية.

المواطنة الجماعانية.

المواطنة الجمهورية.

وكل نموذج من هذه النماذج له أسسه وقواعده الخاصة.

أولًا: المواطنة الليبرالية

المواطنة الليبرالية، باختصار، تقوم على ثلاثة أسس:

1. تقديم الحقوق على الواجبات:
أي أن للمواطن حقوقًا وواجبات، ولكن يتم التركيز على الحقوق وإعطاؤها الأولوية، وتُمنح الحقوق إلى أقصى درجة ممكنة.

2. الحريات:
تحتل الحريات مكانة أساسية في المواطنة الليبرالية، وتكون في أعلى صورها.

3. المجال الخاص:
يُقدَّم المجال الخاص على كثير من الاعتبارات الأخرى، ويكون الإنسان وحقوقه الفردية في مقدمة الأولويات.

ثانيًا: النظرية الجماعانية

أما النظرية الجماعانية، فتقوم على أن الواجبات أولى من الحقوق، وتشدد على أهمية العضوية في جماعة سياسية، باعتبارها أمرًا أساسيًا.

كما تدعو إلى وجود مبدأ ثابت للخير وقيم ثابتة للخير، بحيث تكون هناك مجموعة من القيم المشتركة التي تلتزم بها الجماعة.
ثالثًا: النظرية الجمهورية في المواطنة
النموذج الثالث هو النظرية الجمهورية في المواطنة، ولها عنصر مهم، وهو الحرية.
والحرية عندهم تعني المشاركة في النظام العام، والفاعلية في الحياة العامة، كما تعطي أهمية للواجبات والمسؤوليات تجاه الحكم والمجتمع.
نظرية إسلامية معاصرة في المواطنة
ننتقل إلى نقطة مهمة، وهي نظرية إسلامية معاصرة ظهرت في المغرب العربي، وضعها الدكتور طه عبد الرحمن، حيث انتقد النظرية الليبرالية، وانتقد النظرية الجماعانية، ثم انطلق في بناء نظريته ذات الصبغة الإسلامية.
نقد طه عبد الرحمن للنظرية الليبرالية
قال طه عبد الرحمن إن المواطنة الليبرالية تؤدي إلى ما سماه «آفات الانفصال».
فهي تؤدي إلى انفصال الإنسان عن المواطنة؛ لأن المواطنة الليبرالية تقوم، في نظره، على افتراضات وتجريدات، وهذا يؤدي إلى انفصال بين واقعية المشاركة العامة ووهمية الأساس الذي بُنيت عليه.
وهذا يؤدي إلى حدوث انفصال بين المبادئ وواقعية المشاركة؛ فإذا كانت القيم التي يُفترض أن تقوم عليها المشاركة قيمًا مجردة أو غير واضحة، فقد يؤدي ذلك إلى عدم المشاركة.
كما يرى وجود انفصال بين الذات الإنسانية والآخر؛ فالمجتمع الليبرالي مجتمع فرداني، وبالتالي قد يحدث انفصال بين الإنسان وغيره.
وثالثًا، يرى غياب المقاصد الأخلاقية الواضحة في النظرية الليبرالية، وهذا يؤدي إلى انفصال الإنسان عن ذاته، ومن ذلك الانفصال بين الأخلاق العامة والأخلاق الخاصة.
نقد طه عبد الرحمن للنظرية الجماعانية
انتقد طه عبد الرحمن النظرية الجماعانية من باب أنها تعاني من الانغلاق.
فالإنسان يعيش داخل جماعته، ويتحيز إليها باعتباره عضوًا فيها، وقد يصل الأمر إلى التعصب لها.
كما أن إعطاء الواجبات أهمية أكبر من الحقوق قد يؤدي إلى مشكلة أخرى؛ لأن المجتمع ليس فيه جماعة واحدة، وإنما توجد جماعات متعددة، مثل الحركات النسوية، والجماعات العرقية، والجماعات المختلفة داخل المجتمع الأمريكي، وكذلك الجماعات العربية وغيرها.
وبالتالي، فإن التركيز الشديد على الجماعة قد يؤدي إلى الانغلاق داخل الجماعة الواحدة.
نظرية طه عبد الرحمن في المواطنة الإسلامية
ينتقل طه عبد الرحمن إلى نظريته التي وضعها للمواطنة الإسلامية، وهي مواطنة سماها «المؤاخاة»، وليس المواطنة بالمعنى التقليدي.
وتقوم هذه النظرية على مبدأ الإخلاص؛ أي أن الإنسان يتجرد لله عز وجل، ويتسامى عن التحيزات الشخصية، ويستمد قيمه من القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن دعوة الإسلام إلى القيم السامية.
وينتج عن ذلك، عند طه عبد الرحمن، ثلاثة أمور أساسية:
أولًا: المشاركة والعمل
إن المسلم يعرف أن المشاركة مستمدة من أمر الله عز وجل، فيشعر بالواجب تجاه تطبيقها والمشاركة في الحياة العامة.
ثانيًا: النظر إلى الحقوق
ينظر الإنسان إلى الحقوق باعتبارها جزءًا من علاقته بربه، وبالتالي لا ينظر إليها على أنها مجرد امتيازات شخصية، أو وسيلة لتحقيق السعادة والملذات.
فالحقوق تصبح طريقًا إلى أداء الواجب الإلهي، وإلى تقوية الذات الأخلاقية والتواصل مع المجتمع.
وهذا مهم جدًا؛ لأن القيم الربانية والإسلامية تؤدي إلى تقوية الذات الأخلاقية بصورة مستمرة ومتنوعة.
ثالثًا: مفهوم الأمة
ينتقل طه عبد الرحمن إلى مفهوم الأمة، حيث يرى أن الإنسان جزء من أمة كبيرة، وليس مجرد عضو في جماعة معينة، كما عند الجماعانيين.
وهذا يؤدي إلى نقطتين مهمتين:
1. تقوية التواصل الدائم مع الآخرين.
فالانتماء إلى الأمة يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، وآداب التعامل، ومجموعة من السلوكيات الأخلاقية التي تنظم علاقة الإنسان بالآخرين.
ويشمل ذلك البيت والأسرة وصلة الرحم، والتواصل مع المجتمع، سواء مع المسلم أو غير المسلم.
2. وجود تجدد أخلاقي مستمر.
يحدث نوع من التجدد الأخلاقي المستمر، وتبقى قيم مثل البر والتراحم والعدل حاضرة ومتجددة.
وبذلك يصبح المجتمع مولدًا للقيم ومجالًا لإبداعها وتجديدها، مما يساعد على كسر آفة الانغلاق، وخاصة الانغلاق عند الجمعانيين

image about المواطنة في الاسلام.. مقاربة جديدة
التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Ali Ahmed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-