نزول الوحى على الرسول فى غار حراء

نزول الوحى على الرسول فى غار حراء

0 المراجعات

نزول الوحى على الرسول فى غار حراء

في عام 610م وفى أحدى جبال مكة الشامخة والتي تحيط بمكة أحاطة السوار بالمعصم يوجد بها غار حراء  يجلس به رجل يتلألا وجهه تلألأ القمر ليلة البدر حلو القسمات عظيم الهامة كثيف الشعر ابيض اللون واسع الجبين حاجبه طويل مقوس طويل الأنف دقيق أرنبته مع احدداب وسطها يحسبه من لم يتأمله طويل قصبة الأنف كثيف اللحية اسود العنين غير مرتفع الخدين  واسع الفم مما يعطيه فصاحة فى الكلام وبيانا لمخارج الحروف وجمالا فى الابتسامة لأسنانه رونق منتظمة ومنفرجة؛ عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين مما يوحى بالقوة والشجاعة والأقدام طويل أصابع اليدين والقدمين أما طوله هو فهو وسط  ليس  بالطويل ولا بالقصير وليس بالنحيف وليس بالممتلئ جالس خافض نظره إلى الأرض متأملا إلى جواره بعض الطعام والماء ؛ كان رجلا يحب الوحدة يقضى شهر من كل عام في هذا المكان يبتعد عن الجو الموبوء الذي يحيا فيه قومه فانه لا يقتنع بشي مما يفعله قومه فانه ينكر على قومه عبادة الأحجار والأصنام والتذلل لها وهى لا تنفع ولا تضر وانه ليعجب من ذلك ويسأل نفسه هل لقومه عقول أم لا انه في حيرة لان ابسط العقول يدرك أن الحجارة والتماثيل لا تنفع ولا تضر والى جوار هذه البلية الكبرى تتولد بلايا أخرى وهى سفك الدماء لأوهى الأسباب وقطع الأرحام واكل القوى لحق الضعيف فلا قانون إلا قانون الغابة واكل الميتة التي تشمأز منها الفطرة الإنسانية السليمة وهناك وأد البنات فإنهم يدعون أن الإناث بنات الله ومع ذلك إذا بشر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسود وهو كظيم من سوء ما بشر به حتى يدفنها حية ويزهق روحها البريئة التي لم ترتكب أثما أو جناية ؛ كان يجلس في الغار ويفكر فيما عليه قومه ويحزن لذلك كان على يقين أن هذا الكون له إله قدير يدبر أمره ولكنه لا يعلم شيئا عن ذلك الإله لا صفاته ولا أين يكون وكيف يكون ولا كيف يصرف أمور هذا الكون الواسع الأرجاء ولا ماهى الحكمة من خلق الإنسان .

نسب الرسول صلى الله عليه وسلم و نشاته

لقد كان هذا الرجل الغارق في أفكاره وتأملاته يدعى محمد بن عبد الله وجده عبد المطلب كان من سادة مكة المنتمى لأفضل بطون قريش القبيلة المسيطرة على مكة وهى بطن بنى هاشم بن عبد مناف ولد محمد يتيما لقد فقد والده قبل أن ترى عينيه نور الحياة وما أن بلغ من عمره ست سنوات حتى حرم من حنان الأم ورعايتها أيضا وهى سيدة فاضلة تدعى أمنة بنت وهب فكفله جده عبد المطلب فلم توفى بعد ذلك بعامين كفله عمه أبو طالب وبرغم حب عمه له ورعايته له إلا أن ذلك لم يملئ الفراغ الذي تركه والداه فتربى بين مشاعر اليتم والحرمان فقد كان عمه كثير الأبناء ورقيق الحال فكان محمد يرعى الأغنام مع فتيان قومه طلبا للرزق كي لا يرهق عمه الذي ينوء كاهله بالأعباء فتربى محمد وتربت معه رغبه جامحة عارمة في أن يمنح الناس ما حرم هو منه فأصبحت عنده طاقة عظيمة على العطاء والحب وتربت معه خصال الشرف والصدق والأمانة حتى لقبه قومه بالصادق الأمين ؛ لصدقه وأمانته .

وضع مكة فى ذلك الوقت

كانت مكة في تلك الفترة من القرن السابع الميلادي مدينة كبيرة مزدهرة أعدت من زمن بعيد لتكون محطة للتجارة زودت بكل ما يصلح لاستقبال التجارواقامتهم وكان يقع في الشمال منها على بعد مئات الكيلو مترات من الصحراء الشاسعة دولة للفرس ودولة للرومان دولتان تعيشان في صراع دائم هما أقوى إمبراطوريتان في العالم يومئذ وقد أثرت الحروب المتواصلة بين الروم والفرس على خطوط القوافل التي كانت تحف بألوان البضائع من أدنى الأرض إلى أقصاها تحت تهديد حروب الفرس والرومان والقبائل التابعة لهذا أو لذاك وهكذا بدأت مكة تتحول من محطة تجارية تستريح عندها القوافل إلى مركز تجارى تصدر إليه القوافل وترد وساعد على ذلك وجود الكعبة التي بناها نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل منذ زمن سحيق مع بداية نشأة مكة ويحج إليها العرب من جميع أنحاء الجزيرة العربية وهكذا أقيمت أسواق ضخمة يتبادل فيها التجار من مختلف أنحاء الجزيرة بضائع وسط آسيا والشام واليمن ومصر والهند والعراق والحبشة ؛وفارس والروم ثم اخذ تجار مكة في تجهيز القوافل لحسابهم الخاص فكانت تخرج من مكة رحلتي الشتاء والصيف إحداها للشام والأخرى لليمن للبيع والتجارة هكذا اعتمدت الحياة الاقتصادية في مكة على التجارة وأصبح العرب يعتبرون مكة عاصمة لهم ؛ فهي أم القرى عندهم جميعا هي المركز التجاري الكبير الذي يمثل عصب الحياة ؛ وهى تضم البيت العتيق الذي أقيم للناس مباركا ومن اجل ذلك جمعت كعبتها ألهه الجزيرة كلها وأصبحت مواسم التجارة فيها هي مواسم الحج إلى كعبتها وكانت هذه المواسم تقام في أسواق داخل مكة .. على أنها بدأت تضيق يوما بعد يوم بالوافدين إليها ؛ فأقامت مكة في ضواحيها أسواق أخرى كان أعظمها سوق عكاظ ؛ وفى الحق إن سوق عكاظ هذا كان مهرجانا كاملا تشترك فيه كل القبائل العربية ؛ لاسكان مكة وحدهم كان الملوك والأمراء يأتون إلى سوق عكاظ من أطراف الجزيرة العربية حيث تعرض سلع الفرس والروم وسلع بلاد أخرى كثيرة وتقام فيه المنابر ويتبارى الشعراء العرب ؛ويختار من قصائدهم ما يجدر بأن يعلق فوق الكعبة ليعيش في التاريخ باسم المعلقات وفى عكاظ كان يقضى بين الناس وتعلن القبائل فيه تخليها عن فجارها ؛ فلا تحتمل جريرة احدهم ؛ ولا تطالب بجريرة يجرها احد عليها ؛ وفى عكاظ كانت تقام أسواق الرقيق من كل الجنسيات : الحبشيات السود ؛ الروميات البيض ؛ والهنديات ؛ والمصريات ؛ والفارسيات ؛ ونساء وسط آسيا وكان عكاظ فرصة للضعفاء يستصرخون فيه من ينجدهم لمقاومة من لا قبل لهم من التجار الظالمين أو قطاع الطريق الذين يعدون على مضارب القبائل الصغيرة وفيه يهدر دم الغادر ؛ كان سوقا عجيبا للتجارة وتبادل الثقافة والمتاع يقف فيه إلى جوار الشعراء الذين يتحدثون عن أنسابهم ومفاخر اقوامهم ؛ كهان يلقون ما انتهى إليهم من حكم الهند وفارس من خلال جملهم المسجوعة ؛ وملوك وأمراء يبحثون عن البضائع والجواهر النادرة خمارون ؛ ومبشرون ؛ ونخاسون واسعوا النفوذ وصعاليك عظام ومؤرخون نسابون ؛ وتجار الآلهة يعرضون تماثيل الآلهة على الحجاج في الحاح ويقولون اشترى هذا الإله أو ذاك فهو سوف يغدق عليك الأرزاق وسوف يحميك من غائلة الطريق وسوف ينصرك على من يعاديك وهناك في أطراف مكة تقبع أعداد من الخيام ترفع رايات حمر وهى أوكار لممارسة الدعارة والرزيلة ولكن مكة لم تكن كلها تعيش هذه الحياة من الكسب والمتاع والعربدة فلم تكن مكة كلها من التجار الأغنياء فقد كان هناك الغالبية من الفقراء المعذبون وقليل من الأغنياء الفارهون ؛ أما نظام الحكم في مكة فلم يكن بنظام أمارة لان التنافس بين بطونها يمنعها أن تتفق على ملك من أحداها ولم تتعرض لنظام الحماية لأنها كانت بعيدة عن سلطان الدول الأجنبية ؛ فاختارت لها نظاما بديعا ؛ ولعله أشبه النظم بنظام المشيخة بين الرومان الاقدميين ؛ فقد كان الحكم والرأي في مكة يؤول إلى مجلس يجتمع من رؤساء البطون التي تتكون منها قبيلة قريش ويوشك أن يكون أمره شورى أو على صورة الشورى التي ترضى بالمجاملة وأن لم يكن فيها رضا بالحقيقة إذ الحقيقة أن المرجع الأخير إلى أقوى الأقوياء من أولئك الزعماء كلما تشعبت الآراء واحتالوا على التوفيق بينهم بتقسيم المفاخر والمراسم على بطونهم وزعمائهم حسب أقدارهم ومزاياهم فكان لبنى هاشم البطن الذي ينتمي إليها الصادق الأمين محمد سقاية الحاج وكان لبنى أمية راية الحرب يخرجونها عند القتال ليسلموها إلى قائدهم المختار؛ ولبنى نوفل الرفادة وهى إعانة الحجاج المنقطعين بالمال ولبنى عبد الدار السدانة والحجابة واللواء ولبنى أسد المشورة أو رئاسة مجلس الشورى في مهمات الأمور ؛ ولبنى تيم الديات والمغارم ولبنى مخزوم القبة وهى مجتمع الجيش والأعنة وهى قيادة الفرسان ولبنى عدى السفارة ولبنى جمح الايسار أو الازلام ولبنى سهم الحكومة والأموال المحجورة ولكننا إذا نظرنا إليها نظرة مجملة وجدنا منها ما كان يقصد به الإرضاء وما يشبه الوظائف الإدارية الثانوية في حكومتنا الحاضرة ولم نجد بينها سلطات فعالة خليقة أن تتعاقب مع الزمن غير ثلاث متفرقات وهى السلطة الروحية لبنى هاشم وعبد الدار والسلطة السياسية لبنى أمية ؛ والسلطة العسكرية لبنى مخزوم .

نزول الوحى

ونعود إلى محمد وهو جالس في الغار غارقا في أفكاره وتأملاته وقد اقبل الليل ونشر ثوبه الأسود في الأفق وأخذت النجوم تلمع في أفق السماء وبينما هو كذلك رأى فجأة أمامه رجلا جميل الوجه بيده ثوب من حرير فيه كتاب فأوجس محمد في نفسه خيفة وتسائل في نفسه ؛من هذا ولكن الرجل قطع عليه حبل أفكاره وقال له : اقرأ 

فقال: ما أنا بقارئ؛ لأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب 

فأخذه الرجل فأحتضنه بشدة حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله 

وقال : اقرأ 

فقال: ما انا بقارئ ؛ فأخذه الرجل فأحتضنه بشدةحتى بلغ منه الجهد ثم أرسله.

وقال/ اقرأ

فقال/ ما أنا بقارئ

فأخذه فأحتضنه بشدة للمرة الثالثة حتى بلغ منه الجهد ثم ارسله 

وقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)

فرددها محمد وراءه خوفا منه وفجأة اختفى الرجل كما ظهر فجأة ولكن تلك الكلمات نقشطت فى قلب  محمد الامين فحفظها عن ظهر قلب ولكنه خرج من الغار خائفا عائدا الى داره بمكة واخذ يهبط من الجبل وبينما هو فى وسط الجبل سمع صوتا من السماء يقول : يا محمد انت رسول الله وانا جبريل ؛ فرفع رأسه الى مصدر الصوت فإذا به يرى رجلا صاف قدميه فى افق السماء ويقول يا محمد انت رسول الله وانا جبريل ؛ فوقف ينظر اليه ذاهلا لا يستطيع ان يتقدم او يتأخر وجعل يحول وجهه عنه الى ناحية اخرى فى السماء فيراه امامه اينما  ولى وجهه فحار فى امره ومر عليه بعض الوقت مر وكأنه دهر بأسره حتى انصرف عنه . 

فأخد يهبط الجبل فى خطوات لاهثة متخبطة وهو يفكر هل ما رأه حقيقة ام خيال هل هو جن يريد ان يفزعه ام ملاك يخبره ان الله اصطفاه لكى يكون رسولا له الى قومه ام ان عقله قد اصابه مكروه وظل طوال الطريق الى بيته سابحا فى بحرمن الافكار التى احتشدت فى رأسه حتى وصل الى داره وهو يرتجف من شدة ما رأى فوجد زوجته خديجة بنت خويلد وهى من اشرف نساء مكة واكثرهن مالا وجمالا وأن كان جمالها قد مر عليه ستة وخمسون ربيعا ولكن الوجه لازال به بهاء الطيبة والعينان بهما تلك النظرات الحانية الرحيمة المطمئنة .

فقال وهو يرتجف : زملونى .  زملونى   .    زملونى

فزملوه حتى ذهب عنه الروع ؛ فقال لخديجة مالى واخبرها بما حدث 

وقال : لقد خشيت على نفسى 

فقالت : كلا والله ما يخزيك الله ابدا ؛ انك لتصل الرحم ؛ وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرئ الضيف ؛ وتعين على نوائب الحق .

سوف نكمل فى المقالات القادمة باذن الله

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة

المقالات

24

متابعين

5

متابعهم

7

مقالات مشابة