فلسفة الحكم في الدين الإسلامي و مقارنه بالحكم الوضعي
: دراسة تحليلية
مقدمة
يُعد الحكم من أبرز ركائز النظم الاجتماعية والسياسية التي تنظّم العلاقة بين السلطة والمجتمع. وقد اختلفت الفلسفات السياسية في تصورها لمصدر السلطة، وغاياتها، وآليات ممارستها. في الوقت الذي يرتبط فيه الحكم في الإسلام بالعقيدة الإيمانية والشريعة الربانية، يُبنى الحكم الوضعي (المدني) على أسس بشرية عقلانية، تستند إلى التجربة التاريخية والدساتير الوضعية.
يهدف هذا البحث إلى تحليل فلسفة الحكم في الإسلام من حيث مرجعيتها ومقاصدها وآلياتها، ومقارنتها مع فلسفة الحكم الوضعي، مع بيان نقاط الاتفاق والافتراق، وذلك من منظور علمي منهجي.
أولًا: مفهوم الحكم وفلسفته
1. تعريف الحكم
في اللغة: الحكم مأخوذ من "الحَكْم"، وهو القضاء والفصل بين الناس بالعدل.
اصطلاحًا: هو ممارسة السلطة على الناس لإدارة شؤونهم وتنظيم مصالحهم وفق نظام محدد.
2. فلسفة الحكم
الفلسفة تعني الغاية والمرجعية التي ينطلق منها الحكم، والأسس التي يبنى عليها، والتي تُحدّد طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين السلطة والقانون.
ثانيًا: فلسفة الحكم في الإسلام
1. الحاكمية لله
يرتكز الحكم الإسلامي على مبدأ الحاكمية لله تعالى، أي أن الله هو المشرع الوحيد، ولا يُحق لأي بشر أن يشرّع خارج إطار الشريعة:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40].
ويفهم من هذا أن السلطة التنفيذية في الإسلام ليست مصدر التشريع، بل أداة لتنفيذه.
2. الشورى كمنهج سياسي
الشورى أحد المبادئ السياسية الأساسية:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].
الشورى في الإسلام ملزمة وليست مجرد استشارة، ويُستنبط من سيرة الخلفاء الراشدين هذا التطبيق العملي، خاصة في خلافة أبي بكر وعمر.
3. العدل كغاية للحكم
العدل في الإسلام لا يقتصر على القضاء، بل يشمل كافة مجالات الحياة:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
ويُعدّ تحقيق العدالة معيارًا لشرعية الحاكم، حيث يقول ابن تيمية:
"إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يُقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة" (السياسة الشرعية).
4. محاسبة الحاكم ومبدأ المسؤولية
يُحاسب الحاكم أمام الله وأمام الأمة، وقد ورد في الحديث:
"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته..." (صحيح البخاري، رقم: 893).
كما أن عزل الحاكم الجائر وارد إذا توفرت الشروط الشرعية لذلك (كعدم الضرر والقدرة).
ثالثًا: فلسفة الحكم الوضعي
1. السيادة للشعب
الحكم الوضعي ينبع من مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة، كما جاء في إعلان حقوق الإنسان الفرنسي (1789):
"مبدأ كل سيادة يكمن جوهريًا في الأمة".
2. آليات التشريع والدستور
يتم التشريع في الحكم الوضعي عبر برلمانات منتخبة، وتُعتمد الدساتير كمرجعية عليا، وهي قابلة للتعديل حسب السياق السياسي والاجتماعي.
3. فصل السلطات
يُؤسس الحكم الوضعي على مبدأ فصل السلطات (مونتسكيو)، مما يضمن عدم تغول السلطة التنفيذية:
السلطة التشريعية تضع القوانين.
السلطة التنفيذية تطبقها.
السلطة القضائية تفصل في النزاعات.
4. حماية الحقوق والحريات
الغاية الأساسية للحكم الوضعي هي حفظ الحقوق المدنية والسياسية، مثل حرية الرأي، وحرية المعتقد، وحقوق المرأة والأقليات، وذلك من خلال منظومة قانونية محايدة.
رابعًا: المقارنة بين الحكم الإسلامي والحكم الوضعي
| المجال | الحكم في الإسلام | الحكم الوضعي |
|---|---|---|
| مصدر الشرعية | الله (الوحي والشريعة) | الشعب (الدستور والقانون) |
| الهدف الأساسي | إقامة العدل وتحقيق مقاصد الشريعة | حفظ النظام وحماية الحقوق |
| آليات التشريع | اجتهاد فقهي داخل إطار الشريعة | تشريع برلماني وضعي |
| شكل السلطة | الشورى بين أهل الحل والعقد | ديمقراطية نيابية/تمثيلية |
| مسؤولية الحاكم | محاسب أمام الله والأمة | محاسب أمام القانون والشعب |
| نطاق القيم | ديني وأخلاقي | عقلاني وتجريبي |
خامسًا: نقاط الاتفاق والاختلاف
نقاط الاتفاق
كلا النظامين يعترفان بضرورة تحقيق العدل.
وجود آليات لمحاسبة السلطة.
إشراك الأمة/الشعب في اختيار القيادة.
نقاط الاختلاف
المرجعية العليا: في الإسلام هي الشريعة، وفي الوضعي هي الدستور.
ثبات النصوص: الشريعة ذات طابع ثابت (مع قابلية للاجتهاد)، أما القوانين الوضعية فتخضع للتغيير.
مفهوم الحرية: في الإسلام مقيدة بالقيم الشرعية، أما في النظام الوضعي فحرية مطلقة ما لم تتعارض مع القانون.
خاتمة
فلسفة الحكم في الإسلام تنبع من الوحي الإلهي، وتسعى إلى إقامة العدل وتحقيق مقاصد الشريعة، بينما تستند فلسفة الحكم الوضعي إلى العقل البشري والتجربة الاجتماعية، وتركّز على سيادة الشعب وحقوق الفرد. وبينما يتميز الإسلام ببعده الأخلاقي والروحي، يتميز الحكم الوضعي بمرونته وإمكانية تطوير آلياته.
إن التفاعل بين النظامين قد يكون ضروريًا في العالم المعاصر، لإيجاد نماذج حكم تراعي الثوابت الإسلامية وتستفيد من مكتسبات الفكر السياسي الحديث.
المراجع
ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية.
محمد عبد الله دراز، الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان.
أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور.
مونتسكيو، روح القوانين.
Jean-Jacques Rousseau, The Social Contract.
وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية (1789).
صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة.