الخليفة السفاح أبو العباس.
أبو العباس السفّاح: مؤسس الدولة العباسية وبداية عصر جديد في تاريخ الإسلام
مقدمة
يُعدّ قيام الدولة العباسية واحدًا من أعظم التحولات السياسية في التاريخ الإسلامي، إذ أنهى حكم الدولة الأموية التي استمرت قرابة تسعين عامًا، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة اتسمت بتغيرات عميقة في بنية الحكم والإدارة والفكر. ويقف في مقدمة هذا التحول اسم أبي العباس عبد الله بن محمد، أول خلفاء بني العباس، الذي اشتهر بلقب السفّاح، وهو لقب أثار جدلًا واسعًا بين المؤرخين قديمًا وحديثًا. لم يكن السفّاح مجرد حاكم عابر، بل كان المؤسس الفعلي لدولة ستترك أثرًا حضاريًا وسياسيًا امتد لقرون.
أولًا: نسب أبي العباس السفاح ونشأته
هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أي أنه ينتسب إلى العباس بن عبد المطلب عمّ النبي محمد ﷺ، وهو ما منح العباسيين شرعية دينية قوية في مواجهة الأمويين الذين ينتسبون إلى بني أمية.
وُلد أبو العباس سنة 104هـ تقريبًا في الحميمة جنوب بلاد الشام (في الأردن الحالية)، وهي المنطقة التي اتخذها العباسيون مركزًا سريًا لنشاطهم الدعوي. نشأ في بيت سياسي بامتياز، إذ كان أبوه محمد بن علي من أبرز منظّري الدعوة العباسية، وحرص منذ وقت مبكر على إعداد أبنائه للقيادة.
تلقى السفاح علومه في الفقه واللغة والأنساب، كما تعلّم فنون الخطابة والسياسة، وكان معروفًا بحدة الذكاء وقوة الشخصية، رغم صغر سنه عند توليه الخلافة.

ثانيًا: الدعوة العباسية والخلفية السياسية
بدأت الدعوة العباسية سرًا في أواخر العصر الأموي، مستغلة حالة السخط العام على الأمويين، خصوصًا في خراسان، حيث شعر الموالي (غير العرب) بالتمييز السياسي والاجتماعي.
اعتمد العباسيون في دعوتهم على شعار «الرضا من آل محمد»، وهو شعار ذكي لم يحدد اسمًا بعينه، ما جعل كثيرًا من الناس يظنون أن الدعوة لصالح العلويين، بينما كانت في حقيقتها تمهيدًا لقيام الدولة العباسية.
وكان أبو مسلم الخراساني هو الذراع العسكري الأقوى للدعوة العباسية، وقد لعب دورًا حاسمًا في إسقاط الدولة الأموية، وهو الدور الذي استفاد منه أبو العباس لاحقًا في تثبيت حكمه.
ثالثًا: سقوط الدولة الأموية وبروز السفاح
في سنة 132هـ / 750م وقعت معركة الزاب الكبرى بين جيش العباسيين بقيادة عبد الله بن علي (عم السفاح) وجيش الأمويين بقيادة الخليفة مروان بن محمد. وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة للأمويين، لتكون بداية النهاية لحكمهم.
فرّ مروان بن محمد حتى قُتل في مصر، وبذلك انتهت الدولة الأموية في المشرق. بعد هذا النصر، اجتمع قادة الدعوة العباسية وبايعوا أبا العباس خليفة للمسلمين في مسجد الكوفة، ليكون أول خليفة عباسي في التاريخ.
رابعًا: خطبة السفاح الأولى
ألقى أبو العباس السفاح خطبته الشهيرة في الكوفة، والتي تُعد من أشهر الخطب السياسية في التاريخ الإسلامي. أعلن فيها نهاية الحكم الأموي، وهاجم بني أمية بشدة، متهمًا إياهم بالظلم والاستبداد وسفك الدماء، ثم تعهد بإعادة الحق إلى أهله من آل البيت.
كانت الخطبة مليئة بالحماس والوعيد، ومهّدت نفسيًا وسياسيًا لما سيأتي لاحقًا من إجراءات صارمة ضد الأمويين.
خامسًا: سبب تلقيبه بالسفاح
لقب السفّاح يعني كثير السفك للدماء، وقد ارتبط هذا اللقب بسياسته الصارمة تجاه بني أمية وأنصارهم.
ويرى المؤرخون أن اللقب لم يكن شائعًا قبل توليه الخلافة، بل ظهر بعدها نتيجة:
الملاحقات الواسعة للأمويين في مختلف الأقاليم.
تنفيذ إعدامات جماعية بحق عدد من قادة بني أمية.
حرصه على القضاء التام على أي احتمال لعودة الحكم الأموي.
ومع ذلك، يشير بعض الباحثين إلى أن اللقب كان دعائيًا سياسيًا هدفه بث الرعب في نفوس الخصوم، أكثر من كونه وصفًا دقيقًا لشخصيته اليومية.
سادسًا: سياسة السفاح تجاه الأمويين
اتبع السفاح سياسة قاسية وحاسمة مع بني أمية، خوفًا من الثورات المضادة. ومن أشهر الأحداث المرتبطة بذلك:
مذبحة بني أمية في أبو فُطرس، حيث دُعي عدد كبير منهم إلى مأدبة ثم قُتلوا.
مطاردة الأمراء الأمويين في الحجاز والعراق والشام.
ورغم هذه السياسة، نجا بعض الأمويين، أبرزهم عبد الرحمن الداخل الذي فرّ إلى الأندلس وأسس هناك الدولة الأموية الثانية.
سابعًا: إدارة الدولة في عهد السفاح
على الرغم من قصر مدة حكمه (نحو أربع سنوات فقط)، فإن السفاح وضع اللبنات الأولى للدولة العباسية، ومن أبرز إنجازاته:
نقل مركز الثقل السياسي من الشام إلى العراق.
اتخاذ الكوفة ثم الأنبار مقرًا للحكم.
تنظيم الدواوين على أسس أكثر شمولًا.
تعزيز دور الموالي والفرس في الإدارة، خلافًا للنهج الأموي.
كما اعتمد على شخصيات بارزة، مثل:
أبي مسلم الخراساني
أبي أيوب المورياني وزيره الأول
ثامنًا: علاقة السفاح بأبي مسلم الخراساني
كانت علاقة السفاح بأبي مسلم معقدة؛ فقد كان الأخير صاحب الفضل الأكبر في وصول العباسيين للحكم، لكنه في الوقت ذاته شكّل خطرًا محتملًا بسبب شعبيته الواسعة وقوته العسكرية.
حاول السفاح الموازنة بين تكريم أبي مسلم ومراقبته، وترك ملفه الشائك لخليفته من بعده، وهو أبو جعفر المنصور، الذي أنهى نفوذ أبي مسلم لاحقًا.
تاسعًا: صفات شخصية السفاح
تصفه المصادر التاريخية بأنه:
خطيب مفوّه
حادّ الطبع في السياسة
كريم في العطاء لأنصاره
شديد في العقاب على خصومه
وكان يعاني من مرض الجدري في أواخر حياته، ما أثّر على نشاطه السياسي.
عاشرًا: وفاة السفاح ونهاية عهده
توفي أبو العباس السفاح سنة 136هـ / 754م في مدينة الأنبار، عن عمر لم يتجاوز الثلاثين عامًا، بعد حكم قصير لكنه حاسم.
وقبل وفاته، أوصى بالخلافة لأخيه أبي جعفر المنصور، الذي يُعد المؤسس الحقيقي للإدارة العباسية المستقرة.
خاتمة
يظل أبو العباس السفاح شخصية محورية في التاريخ الإسلامي، اختلف حوله المؤرخون بين من يراه حاكمًا دمويًا، ومن يعتبره رجل مرحلة انتقالية فرضت عليه الظروف القسوة والحسم. ومهما كان الحكم عليه، فإن الثابت تاريخيًا أنه وضع الأساس لدولة عظيمة ستصبح لاحقًا مركزًا للعلم والحضارة، وتدخل التاريخ من أوسع أبوابه.