قوة الايمان بالله

قوة الايمان بالله

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

دمشق الجميلة حيث إكرام بطل قصتنا 

image about قوة الايمان بالله

 في زمن بعيد حين كانت دمشق دره من درر الحضاره الإسلاميه عامره بالعدل والرخاء تحت ظل الخلافه وعلى اطرافها حيث تمتد الحقول الفقيره وتختفي البيوت الطينيه بين الرياح عاش رجل بسيط يدعى اكرم راعي ماشيه لا يملك من الدنيا سوى عنزتين هزيلتين وكوخ متهالك يكاد يسقط مع اول عاصفه وكان اهل القريه ينظرون اليه بعين الشفقه ويحسبونه ضعيف الحيله قليل الحظ غير ان ما غاب عن ابصارهم كان بحراً من الإيمان يملأ قلبه سكينةً ويقيناً فكان إكرم يستيقظ قبل الفجر يتوضأ بماء بارد ويقف بين يدي الله بخشوع صادق يؤدي صلاة الفجر ثم يخرج ليحلب عنزتيه بيدين متعبتين  وقلب شاكر لا يحمل إلى المدينه سوى إناء من اللبن ولا يعود الإ بما قسمه الله له قليلا كان أو كثيراً راضياً لا متذمراً وكانت زوجته فاطمة إمراه  صابرة مريضة الجسد عظيمة الروح ترقد على فراش بسيط تشكو آلما لا يجد دواء ولم يكن في يد إكرم مال يداويها لكنه لم يسمح لليأس أن يتسلل إلى صدره بل كان يردد في سره إن الله أرحم من أن يترك عبده وأن الفرج يأتي في الوقت الذي يريده سبحانه لا في الوقت الذي نريده نحن.

 وذات ليله هبت عاصفه عاديه مزقت السماء بزنجراتها واقتلعت الكوخ الهش كأنه ورقة يابسه وتفرقت العنزتان في الظلام ولم يعثر لهما على أثر وحين بزغ الصباح وقف اكرم على أطلال ما كان ماواه لا يملك شيئا سوى ثيابه الباليه وقلبه الموصول بالله فتهامسوا اهل القريه قائلين إن الشقاء لا يفارقه لكنه إنحنى ساجدا على التراب ورفع كفيه بالدعاء وقال بصدق عميق إنك تعلم يا رب إني ما أكلت حراما ولا ظلمت أحدا وإن في قضائك خيرا لا تدركه عيوني ولن أمد يدي إلا اليك ثم نهض وقد عقد العزم على التوجه إلى دمشق طلبا للعمل فحاولت فاطمه ان تثنيه قائله أن المدينه لترحم الفقراء فابتسم بهدوء وقال ان الله في المدينه كما هو في القريه وأن من يتوكل عليه لا يضيع.

 فسار على قدميه وحين دخل دمشق إنبهرت عيناه بقصورها وأسواقها وأهلها المتزينين بالذهب لكنه ظل غريبا بينهم ثيابه الممزقه تحجبه عن أبواب الرزق فكلما طلب عملا أدير له الظهر ومع غروب الشمس جلس قرب مسجد كبير انهكه الجوع والعطش فتوضأ وصلى المغرب وبعد الصلاه لمح شيخاً درويشاً ذا وجه مشرق ونظره نافذه يقترب منه ويتأمل ملامحه طويلا ثم قال له أن آثار البلاء باديه عليك لكن عينيك خاليتان من القنوط فأجابه إكرم بثبات أن من يثق بالله لا ييأس أبدا فهز الدرويش رأسه إعجابا وقال له امضي غدا إلى  قصر الخليفه ولا تفقد ثقتك بالله مهما رايت وقبل أن يساله عن قصده إختفى الدرويش بين الناس.

 فبات إكرم ليلته يفكر وفي قلبه قبس أمل خافت ومع أذان الفجر توضأ وصلى ثم توجه نحو والقصر بخطوات ثابتة وحين بلغ الأبواب المذهبه ورأى الجنود صفوفاً تردد لحظه لكنه سمع الناس يتحدثون عن حصان الخليفه المريض الذي عجز الأطباء عن شفائه وعن وعد ب 100 إشرفي لمن ينقذه فخفق قلبه لانه عاش عمره بين الحيوانات وعرف عللها وتذكر وصيه الدرويش فتقدم متحدياً السخريه وطلب الأذن بعلاج الحصان فاستهزئ به لهيئته لكنه أقسم أنه أن أخفق نال العقاب فأدخل الأسطبل وهناك رأى الحصان الأبيض يتنفس بصعوبه فأدرك من فوره أنه أكل عشبة سامة وطلب عسلاً وحبة سوداء وخلاً، فلما مزجها وذكر أسم الله وسقاها للحصان وقف الجميع ينتظرون وما هي الإ لحظات حتى نهض الحصان وصهل فأهتز المكان دهشه.

 وهكذا بدأت خيوط القدر تنسج أول تحول في حياه راعي فقير لم يملك سوى الصبر واليقين لم يكد صهيل الحصان يهدأ حتى أنتشر الخبر في أرجاء القصر كالنار في الهشيم فأسرع الوزير إلى مجلس الخليفه يحمل البشرى ودعي إكرم إلى الديوان حيث تجمع القادة والأطباء وقد علت وجوههم علامات الدهشه، وقف الراعي  الفقير مطاطئ الرأس بثياب لا تليق بالمقام لكن قلبه كان ثابتاً فسأله الخليفه عن أسمه وحاله ومصدر معرفته فأجاب بصدق خال من التكلف أنه عاش عمره بين الدواب وتعلم من التجربه وأن الفضل كله لله الذي يمنح عباده الفهم اذا شاء فأستحسن الخليفه تواضعه وامر بمنحه 100 أشرف وجائزة إضافية فخر إكرم في سجود الشكر غير أن السكينه لم تكتمل اذ تقدم زبير أخو الخليفه بوجه متجهم وصوت غاضب وأتهم إكرم بالسحر مدعياً أن ما عجز عنه الأطباء لا يكون الإ شعوذة فخيم الصمت على القاعة وأضطرب قلب اكرم لحظه لكنه استجمع يقينه وذكر الله في سره، ولما سأله الخليفه عن دفاعه قال بثبات أن السحر مُحرم وأنه ما فعل الإ بما علمه الله فأقترح زبير إمتحاناً قاسياً أذكر وجود أسد مريض في سراديب القصر لا يجرؤ احد على الإقتراب منه فإن عالجه ثبت صدقه والإ نال العقاب وبعد تردد قصير وافق الخليفه فأقتيد إكرم إلى الظلام حيث يتردد زئير الأسد وكان الخوف يحيط به من كل جانب لكنه مضى يردد أية الكرسي حتى بلغ الزاوية التي يرقد فيها الحيوان الجريح فرأى شوكة مغروسة في كفه وعينين تفيضان ألماً فأقترب ببطء ووضع يده على رأسه فهدأ الأسد كأنما أدرك  الأمان ونزع إكرم الشوك وربط الجرح فتنفس الأسد بإرتياح ولعقيده فذهل الجنود وأسرعوا إلى الخليفه الذي نزل بنفسه وشهد المشهد فأعلن أمام الجميع أن هذا الرجل ولي صالح لا ساحر وأن الرحمه إذا سكنت قلباً خضعت لها المخلوقات.

 فخسئ زبير ولم يجد جوابا و أمر الخليفه بتكريم إكرم وتعيينه مشرفا ًعلى حيوانات القصر لكنه أستاذن للعوده إلى قريته لإحضار زوجته المريضة فزوده الخليفه بفرس وحراسة وفي الطريق أنهمرت دموع الشكر من عينيه وهو يستحضر كيف أنتقل بين عشية وضحاها من الفقر الى العز،  غير أن زبير لم ينسى حقده فأرسل رجالأ يتعقبونه خفية ليقتلوه ويشيعوا أنه قتل على أيدي اللصوص وكان الليل قد أرخى سدوله حين لاحقت الظلال إكرم في الصحراء ففر بفرسه، حتى تعثر وسقط وأُصيب بساقه فأحاط به القتل وسلوا سيوفهم وحين أيقن بالموت نطق بالشهاده فإذا بعاصفة عاتيه تهب فجأه وتملأ الجو رملاً وضجيجاً وبين العاصفة سمع صوتاً مالوفاً يأمره بالتوجه شرقاً، فتلمس طريقه حتى وجد حفرة فأختبا فيها وحين أنقشعت العاصفة ضل عنه مطاردوه وعادوا يائسين، ومع الفجر خرج إكرم ليجد نفسه في واحه نادره تفيض بالماء والنخيل  فغسل جراحه وأكل من ثمارها ثم لمح صندوقاً قديماً مدفوناً في الرمال فتحه فاذا هو مملوء بالذهب والجواهر فبكى ساجداً وقد أدرك أن الرزق يأتي من حيث لا يحتسب.
 

 

 لكنه لم يفرح طويلاً إذ عاد الى قريته فوجد كوخه محترقاً وفاطمة مفقودة وأخبره الجيران أن رجالاً سود الوجوه أخذوها قسراً فعلم أن يد زبير أمتدت إليها فخباْ الكنز وأنطلق إلى دمشق وقلبه معلق بإنقاذها وهناك سمع أن إمرأه ستعاقب بتهمة السحر فأشتد خوفه،  وحين حاول الوصول إلى الخليفة منع بحجة مرضه فأخبر الوزير بحقيقة المؤامرة فعلم  أن الحكم بيد زبير وأن الوقت يداهمه، فقام الليل متضرعاً فإذا بالدرويش يظهر مجدداً ويكشف له أن مرض الخليفه شبيه بما عالجه من قبل ويدله على ممر سري، فدخل إكرم القصر ليلاً وداوى الخليفة بالدواء ذاته وبقي يدعو حتى أفاق مع الفجر.

 وحين سمع  الخليفه القصه أمر فوراً بإعتقال زبير وإطلاق سراح فاطمةفتم لم شمل الزوجين بالدموع وأعلن الخليفة حكمه بسجن زبير ومصادرة أمواله وقرب إكرم مستشاراً وأغدق عليه النعم لكنه وزع كنز الصحراء على الفقراء وعاش مع فاطمة في سكينه وحين رأى الدرويش آخر مره علم ان الصبر واليقين هما سر النجاة وأن الله لا يخذل من أحسن الظن به بعد إنكشاف المؤامرة وإستعادة ميزان العدل في القصر لم تعد دمشق كما كانت في نظر إكرم اذ وجد نفسه فجأة في قلب المسؤولية لا على هامشها وبين جدران إعتاد أن يراها من بعيد، صار صوته مسموعاً ورأيه مطلوباً، ومع ذلك بقي قلبه معلقا بما علمه الفقر من تواضع وما ربته المحن من صبر، فحين أسكنت فاطمة في دار فسيحة وأحضر لها طبيب القصر لم ينسى إكرم أن الشفاء من الله قبل الدواء فكان يلازمها بالدعاء أكثر مما يلازمها بالأمل الظاهر وقد أخذت صحتها تتحسن رويدا رويدا حتى عادت البسمة إلى وجهها .

غير ان اكرم لم  يركن إلى الطمانينة سريعاً إذ ادرك أن ما ناله من نعمه قد يكون أمتحاناً أشد من الفقر وأن النفس إذا أغريت باليسر بعد العسر إحتاجت إلى حراسة أشد فبدأ أول أيامه في القصر بتغيير صامت رفض المبالغه في الزينة وطلب أن يخصص جزء من عطائه اليومي للفقراء الذين كانوا يجلسون على أبواب المدينه كما جلس هو يوما،  وأنتشرت أخبار كرمه بين الناس فصاروا يرون فيه واحدا منهم لا غريباً عنهم أما الخليفة فقد لاحظ صدقه فكان يستدعيه للمشاورة في شؤون الرعيه فيسمع منه كلاماً بسيطا لا يعرف المراوغة  حديثاً عن المظلومين قبل الخزائن وعن الرحمه قبل الهيبة. 
وكان إكرام كلما دخل مجلس الحكم تذكر السجده الاولى على انقاض كوخه فيخفض بصره ويقول في نفسه ان الله يرفع من يشاء اذا شاء وفي السجن كان زبير يغلي غيظا تتقلب نفسه بين الندم والكبر يحاول ان يبرر لنفسه ما صنعه بحجه القرب من الحكم لكن الايام كانت تكشف له قسوه اختياره حتى بلغ الى اكرم طلب وساطه منه فتردد الرجل الصالح طويلا اذ كان الجرح لا يزال طريا غير انه عاد الى اصل تعلمه من دروس البلاء وهو ان العفو باب للرحمه فدخل على الخليفه ونقل له ان العقوبه عدل لكن فتح باب التوبه فضل فخفف عنه بعض القيود دون ان يلغى الحكم
 ليكون في ذلك عبره له ولغيره ولم يكن هذا الموقف سهلا على اكرم اذ ذاق مراره الظلم على يد زبير لكنه اثر ما عند الله على شفاء غليل النفس وفي الاسواق بدا الفقراء يتهامسون عن الرجل الذي خرج من بينهم ولم ينساهم فصار اكرم يزورهم خف يه يحمل الطعام والكساء ويتذكر كيف كان الجوع يقرص معدته عند باب المسجد ومع كل خطوه كان يشعر ان قلبها اثقل بالامانه فصار يقوم الليل يستعين بالصلاه على الثبات وتكرر ظهور الدرويش مره اخرى من بعيد لا كلام ولا اشاره مجرد نظره عميقه كانها ها تذكير بان الطريق لم ينتهي بعد وان الثبات يحتاج الى يقظه
 وفي يوم اجتمع اهل دمشق في ساحه كبيره بعد ان امر الخليفه باعلان اصلاحات جديده وكان لاكرم دور في صياغتها اذ اقترح ان يفتح بيت المال لعلاج المرضى من الفقراء بلا تمييز وان تخفف الضرائب عن القرى المنسيه وحين سئل عن سبب حرصه على القرى قال انه خرج منها يوما ولم يكن له فيها الا دعاء امراه مريضه فهز كلامه القلوب ومع مرور الوقت اصبح اسم اكرم مرتبطا بالعدل لا بالمعجزه وبالرحمه لا بالثراء وكان هذا اعظم ما ناله اما فاطمه فكانت تشاركه هذا النهج تزور النساء المريضات وتواسيهن وتقول لهن ان الفرج قد يتاخر لكنه لا يضيع وفي ليالي السكون كان الزوجان يجلسان
 يتذكران الطريق الطويل من الريح التي اقتلعت الكوخ الى الامان الذي اظلهما الان فيشكران الله على ما اخذ وما اعطى مدرك ان القصه لم تكن صعودا مفاجئا بقدر ما كانت تربيه طويله وان كل الم بهما كان تمهيدا لما هما فيه وهكذا استقرت حياه اكرمي ظاهرا لكن في داخله كان يعلم ان الامتحان الحقيقي هو ان يبقى قلبه كما كان يوم لم يملك شيئا وان يحفظ العهد الذي قطعه في ظلمه تلك الليله حين قال انه لن يمد يده الا الى الله ومع امتداد الايام وتحول اكرم الى وجه مالوف في مجالس الحكم وازقه الفقراء بدات طبقات جديده من الابتلاء تتكشف في صمت اذ ان
النفوس التي اعتادت الانتفاع من الظلم لم يرق لها ان ترى ميزان العدل يستقيم على يد رجل خرج من بين الرعاه فظهرت همسات في اروقه القصر وحديث مبهم عن نفوذ غير مرغوب فيه وكان اكرم يشعر بهذه التيارات الخفيه دون ان يلتفت اليها علنا مكتفيا بتذكير نفسه ان من عمل لله كفاه الله كيد الناس وفي احدى الليالي استدعاه الخليفه على غير عادته في ساعه متاخره فدخل عليه فوجده مهموما وقد بلغه ان بعض الولاه في الاطراف يخفون الاموال ويقصون على الرعيه فطلب من اكرم ان يرافق لجنه سريه لتقصي الحقائق ففهم ان المهمه محفوفه بالمخاطر لكن تردده

 لم يدم طويلا اذ راى في ذلك امتدادا لطريق اختاره منذ اول سجده فخرج متخفيا مع القافله وعاد الى القرى التي تشبه قريته الاولى فراى بعينيه الفقر ذاتها والظلم ذاته وسمع شكاوى الارامل واليتامى فكان قلبه يضيق الما لكنه كان يسجل كل شيء بصبر وحكمه لا يفضح ولا يتسرع حتى اكتملت الصوره وعاد الى دمشق حاملا بين يديه حقائق ثقيله وحين عرضت على الخليفه تغير وجهه وادرك حجم الخيانه فامر بعزل الولاه ومحاسبتهم وانتشرت اخبار الاصلاح غير ان هذا النجاح اثار حنقا اشد في صدور من تضررت مصالحهم فبدات محاولات التشويه وقيل ان اكرم يستغل قربه من الخليفه وان

 صدقته ليست إلا ستارا للسيطره ووصلت هذه الكلمات الى مسامعه فابتسم بمرا اذ تذكر كيف قيل عنه يوما انه نحس الحظ وكيف لم تغير الاقوال شيئا من قدر الله فاختار الصمت وفي هذا الصمت كان امتحان اخر اذ ليس كل ظلم يدفع بالكلام وبعضه يترك للزمن والحق وفي خضم ذلك مرضت فاطمه مره اخرى مرضا خفيفا اعاد الى قلبه خوف الفقد فجلس عند رأسها كما جلس في الليالي الأولى يدعو دون أن يظهر قلقه حتى عادت عافيتها فشعر ان الله يذكره بان النعمه لا تؤمن وان الشكر لا يكون باللسان وحده وفي صباح هادئ دخل المسجد ليصلي فوجد الدرويش جالسا في زاويه  بعيده لا يحدق ولا يقترب مجرد حضور ساكن فلما انتهت الصلاه اختفى كعادته وترك في نفس اكرم يقينا بان الطريق لا يزال طويلا وان كل مرحله يعقبها امتحان يناسبها وبعد ايام قليله وقعت حادثه هزت المدينه اذ انهار جزء من سوق قديم بسبب اهمال متعمد وسقط جر فرحا وفقراء فتدخل اكرم فورا نظم الاسعاف وفتح مخازن الطعام وامر باعاده البناء من مال كان محتجزا ظلما فارتفعت مكانته في قلوب العامه اكثر لكن خصومه ازدادوا شراسه وبداوا يعدون لضربه خفيه لا بالسيف هذه المره بل باتهام يطال نيته ودينه وكان  إكرم يشعر بثقل في صدره كلما خلى بنفسه.

 فيتوضا ويطيل السجود مرددا ان الله مطلع على السرائر وان من اصلح باطنه كفاه الله ظاهر الناس وهكذا تهيات الساحه لابتلاء اعظم لم يكن فيه سيف ولا صحراء بل السنه وقلوب وكان على اكرم ان يثبت مره اخرى ان الصبر لا يكون في الفقر وحده بل في الاتهام ايضا وان العدل الحقيقي يبدا حين يظلم المرء في خير عمله فلا يتراجع عن طريقه ومع تصاعد الهمس وتحوله الى اتهامات صريحه بلغ اكرم مرحله لم يعرفها من قبل اذ وجد نفسه موضع شك الا موضع تعاطف وتحولوا بعض من كانوا يثنون على عدله الى مترددين يخشون الاقتراب فكان هذا التحول اشد وطاه

على قلبه من فقر الامس لان الجوع كان واضحا اما الجرح الخفي في النيات فكان غامضا وقد اجتمع خصومه سرا ورفعوا الى الخليفه عريضة يتهمونه فيها بإستغلال نفوذه والتلاعب بأموال بيت المال تحت ستار الصدقه ولم يكن في الإتهام دليل قاطع لكنه كان كافيا لاثاره الريبه فاستدعاه الخليفه في مجلس عام وابلغه بما قيل ولم يكن في نبرته غضب بل حزن ثقيل فسكت إكرم لحظه طويله ثم قال بهدوء أن الحق لا يخاف التحقيق وأنه يضع نفسه وماله بين يدي القضاء فدهش الحاضرون من سكينته وامر بفتح دفاتره ومراجعه اعماله علنا.
 فصار حديث المدينه بعضهم يدعو له وبعضهم ينتظر سقوطه وفي تلك تلك الايام القاسيه ضاق صدر فاطمة خوفاً عليه فقال لها أن الله الذي أنقذه من السيوف قادر أن ينقذه من الألسنه وطلب منها أن تكثر الدعاء ولا تجادل أحدا وبدأت التحقيقات ففتشت مخازنه وبيته ولم يوجد الا البساطة لا كنز مخفي ولا إسراف بل أوراق تشهد بتوزيع المال على المرضى والمحتاجين ومع ذلك أستمرت الضغوط اذ حاول خصومه التاثير على الشهود لكن إكرم رفض الدفاع عن نفسه بالمكر مكتفيا بالصبر وكان يقف كل ليله في محرابه طويلا
 يشعر أن هذا الامتحان ينقي قلبه كما تنقي النار الذهب .

وفي خضم ذلك سقط أحد المتامرين مريضا مرضا شديداً ولم يجد من يطببه فجيء به الى إكرم فتردد الناس متعجبين كيف يطلب العون ممن أتهموه لكنه لم يتردد بل عالجه كما عالج غيره وقال أن الشفاء لا يمنع عن أحد فكان لهذا الموقف أثر عميق اذ بدا بعض الخصوم يراجعون أنفسهم وبعد أيام من التدقيق أعلن القضاه براءته ووقف الخليفه في المسجد يخاطب الناس قائلا ان العداله لا تكتمل الا بالتحقيق وأن اكرم خرج منها أنقى مما دخل فأعتذر له علناً غير أن أكرم لم يفرح بالنصر بل شعر بثقل المسؤولية أكثر لأن تبرئته  رفعت سقف التوقعات فزاد حرصه على نفسه وطلب من الخليفه ان ينشا مجلس مستقل يراقب اعماله قبل غيره فكان ذلك سابقه اثارت الاعجاب.


  وفي تلك الليله راى الدرويش في المنام فقط لم ينطق لكنه اشار الى قلبه فاستيقظ اكرم وقد فهم الرساله ان النيه هي الحصن الاخير ومع انقشاع الفتنه ظاهرا ادرك ان جذورها لم تقتلع تماما وان الطريق الى الله ليس خطا مستقيما بل مسارا مليئا بالمنعطفات وان كل منعطف يكشف صدق السائر وهكذا انتهى هذا الفصل وقد تعلم اكرم ان الظلم اذا جاء من الناس كان دواؤه الصبر واذا جاء من النفس كان دواؤه المحاسبه  وان الثبات في موضع الاتهام اعظم من الثبات في موضع المدح وبعد ان انطفات نار الفتنه الظاهره وبدا ان الصفحات قد طويت دخل اكرم مرحله ادقا واعمق مرحله ما بعد الإنتصار حيث يظن الناس أن الطريق إستقام بينما تكون النفوس على شفه امتحان اخفى فقد صار اسمه يتداول في الافاق لا بوصفه راعيا فقيرا كما كان بل رمزا للعدل والصلاح وبدات الوفود تاتيه تطلب رايه ودعاءه وكان هذا الاقبال يثير في قلبه خوفا لا فخرا اذ كان يخشى ان يتحول حب الناس الى حجاب بينه وبين الله فاثر ان يخفف ظهوره وان يعتذر عن كثير مما يعرض عليه مكتفيا بما يلزم زمه من خدمه صادقه وفي تلك الايام اصيب الخليفه بضعف شديد انه جسده لا مرضا مفاجئا كما في السابق بل وهنا تراكم مع السنين فصار يعتمد على اكرم اعتمادا متزايدا في شؤون الحكم وهنا شعر اكرم بثقل الامانه يتضاعف لان القرارات التي كانت تتخذ في غيابه باتت تمر من بين يديه فكان يستخير الله في الصغير قبل الكبيره ويطيل التفكير قبل ان ينطق وفي احدى الليالي جاءه رجل من عامه الناس يشكو ظلما قديما وقع عليه من احد اقارب الخليفه وكان الامر حساسا اذ ان اثاره القضيه قد تعيد اضطرابا سياسياً.
 فتردد اكرم ثم تذكر دعاءه القديم الا يكون من الذين يرون الحق ويسكتون فرفع الامر الى الخليفه بصراحه فحزن الخليفه لكنه اقر بالحق وامر برد المظلمة فكان لهذا القرار وقع كبير اذ فهم الناس ان العدل لم يعد انتقائيا وفي المقابل اشتد وهن الخليفه حتى ادرك اكرم ان النهايه تقترب فجلس معه ليله طويله يتذاكران ما مضى فقال الخليفه ان الملك زائل وان الباقي هو الاثر واوصاه ان يحفظ ميزان الرحمه اذا غاب صاحب السلطان وبعد ايام قليله توفي الخليل خليفه فعم الحزن دمشق ووجدت الدوله نفسها امام فراغ خطير اذ لم يكن وريث جاهز يحظى بالاجماع
 وتوجهت الانظار الى اكرم بعضهم راى فيه الاحضهم خاف من خروجه عن اعراف السلاله وكان هذا اخطر امتحان واجهه اذ عرض عليه ما لم يطلبه يوما السلطه نفسها فاعتزل الناس اياما لا يجيب احدا صائما قائما يسال الله ان يرشده وكانت فاطمه تراقبه بصمت تعلم ان القرار سيغير مصيرهما وفي ليله ساكنه رات درويش مره اخيره في اليقظه للمنام واقفا بلا كلام لكنه وضع يده على صدره ثم اشار الى الارض ففهم اكرم ان الرساله هي الثبات على الاصل للارتفاع عن الناس،  فخرج الى الناس واعلن  موقفه بهدوء انه لا يطلب الحكم ولا يقبله وان من خدم العدل من خارج العرش قد خدمه بصدق فدعا الى اختيار من تتوافر فيه الكفاءه والعدل من بيت الخلافه وتعهد ان يكون عونا لا بديلا فخف التوتر وتم الاتفاق على خليفه جديد وحين استقر الامر تنفس اكرم الصعداء فقد ادرك انه نجح في امتحان لو اخفق فيه لضاع كل ما بني وهكذا خرج من اخطر منعطف دون ان يتلوث قلبه بحب السلطان محتفظا بوصيته الاولى ان يبقى عبدا لله قبل ان يكون اي شيء اخر غير عالم ان الخاتمه لا تزال تنتظر خطوه اخيره تغلق الدائره كلها وبعد ان استقر امر الخلافه وهدات المدينه من


 اضطرابها عاد اكرم الى حياه اختارها بوعي لا صعودا ولا هروبا بل وقوفا في الموضع الذي يرضي الله ويصون القلب فانسحب من صداره المجالس وبقي قريبا من مواقع الحاجه يستشار ولا يتصدر  يسمع ولا يعلو صوته وقد شعر لاول مره منذ سنين ان الدائره اوشكت ان تكتمل وان الطريق الطويل الذي بدا بريح اقتلعت كوخا انتهى بسكينه راسخه لا تهزها الرياح وكانت دمشق في تلك المرحله تتغير ببطء لا بمعجزه ولا بقرارات صارخه بل بعادات جديده من العدل والمحاسبه وكان لإكرم أثر غير مرئي في هذا تحول اذ ترك وراءه ميزانا يحتكم اليه وان غاب صاحبه وفي بيته، عادت  فاطمه الى بساطتها الاولى لا تتزين الا بالشكر ولا تذكر ما مضى الا لتستخرج منه العبره وكانت تقول لمن يزورها ان النعمه لا تعرف الا بعد البلاء وان الله اذا احب عبدا ساقه في طرق لا يفهم همها اولا ثم يكشف له معناها آخر

اما اكرم فصار يخرج مع الفجر كما كان يفعل قديما يقف في المسجد ذاته الذي جلس عند بابه يوما جائعا يصلي ثم يجلس بين الناس بلا حرس ولا هيبه واذا ساله احد عن سره قال انه لا سر الا الا تشكو من الله الى الناس وان تصبر حتى يتكفل الله بما لا تقدر عليه وذات صباح جاءه رجل شاب يشكو ضيقا يشبه ما عرفه اكرم في بداياته فابتسم له وأعطاه  شيئا يسيرا وقال له ان هذا ليس حلا بل جسر وان العبور الحقيقي يكون بالثقه لا بالمال ومضت السنوات وهدات الاحداث ولم يعد اسم اكرم يتداول في المجالس الكبرى كما كان لكنه بقي حيا في دعاء المساكين ودموع المظلومين التي جفت وفي ليله هادئه شعر بتعب يسري في جسده فعلم ان الرحله شارفت نهايتها فدعا فاطمه وجلسا معا يتذكران الطريق كله دون حسره فقط امتنان وقال لها ان الله كان رفيقا بهما في كل منعطف وانما خافاه يوما صار شاهدا على رحمته ثم قام فتوضأ وصلى طويلا وفي سجوده الأخير لم يطلب شيئا لنفسه بل دعا أن يُحفظ الميزان بعده وان يبقى العدل اقوى من الأسماء.

وحين اشرقت الشمس وجدوه ساكنا ووجهه مطمئن كانما نام بعد عناء طويل فخرج خبر وفاته بهدوء لا ضجيج فيه وبكته المدينه بصمت يشبه صمته ودفن بلا موكب مهيب ولا القاب لكن اثره بقي ممتدا وكلما مر احدهم بمحنه وتذكر حكايته قال ان الصبر ليس ضعفا وان الظلم لا يدوم وان الله اذا راى من عبده صدقا حمله حيث لا يقدر وهكذا اغلقت القصه لا بنهايه صاخبه بل بخاتمه تشبه بدايتها رجل لم يملك شيئا الا يقينه فلم يضيعه الله ولم يملك كل شيء الا قلبه فخرج من الدنيا كما دخلها سليما راضيا وقد ترك خلفه درسا لا ينسى ان  من توكل على الله حقا كفاه ومن صبر للحق رفعه وان الرحمه اذا سكنت القلب غيرت المصير في الدنيا قبل الآخره .

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
sara bashir تقييم 4.81 من 5.
المقالات

67

متابعهم

102

متابعهم

66

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.