همية تعزيز القيم الأخلاقية في المجتمعات المعاصرة انطلاقاً من المبادئ السامية والتعاليم الرفيعة للدين الإسلامي الحنيف
ثر التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في تحقيق التوازن النفسي والسكينة الروحية للفرد وسط الضغوط
بينما أجلس الآن لأكتب هذه الكلمات، ألقي نظرة سريعة على ما يدور حولنا في هذا العالم الصاخب. نحن نعيش في عصر "السرعة" و"المثالية الزائفة" التي تفرضها علينا وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح القلق رفيقاً دائماً للكثيرين، وبات البحث عن "السكينة" أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش. لكن، هل فكرنا يوماً لماذا نجد في بيوتنا أجداداً لم يقرؤوا كتب علم النفس ولم يعرفوا مصطلحات "التنمية البشرية"، ومع ذلك يمتلكون طمأنينة لو وزعت على أهل الأرض لكفتهم؟ السر ببساطة يكمن في تلك العلاقة الفطرية والعميقة مع الوحيين: القرآن والسنة.
دعونا نتحدث بصراحة؛ إن القرآن الكريم ليس مجرد كتاب نضعه على الرفوف للتبرك، أو نمر على آياته في المناسبات الحزينة فقط. القرآن هو "كتيب التشغيل" لهذا الكيان البشري المعقد. عندما يقول الله عز وجل: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فهو لا يعطينا معلومة عابرة، بل يضع أيدينا على "مفتاح الأمان". التمسك بالقرآن يعني أن يكون لك ورد يومي، ليس كواجب ثقيل، بل كجلسة استشفاء نفسية. حين تقرأ عن قصة يوسف عليه السلام وكيف تحول السجن إلى خلوة والظلم إلى تمكين، تشعر وكأن الآيات تطبطب على كتفك، تخبرك أن ضائقتك الحالية ليست إلا محطة في طريق فرج كبير. هذا النوع من "الإسقاط الإيماني" هو ما يمنحنا التوازن؛ فنحن لا نرى المصائب كنهايات، بل كقدرٍ يحمل في طياته ألطافاً خفية.
ثم نأتي للسنة النبوية الشريفة، وهي التطبيق العملي للسلام النفسي. النبي ﷺ لم يعش حياة مخملية، بل ذاق اليتم، وفقد الأبناء، وحورب من أقرب الناس إليه، ومع ذلك كان "بساماً"، "هيناً"، "ليناً". عندما نتعمق في سنته، نجد أننا أمام مدرسة متكاملة في إدارة الضغوط. انظر مثلاً إلى قوله ﷺ: "عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ". هذا الحديث وحده كفيل بأن ينهي صراعات نفسية مريرة! إنه يعطيك "الحصانة" ضد الصدمات؛ ففي السراء أنت شاكر، وفي الضراء أنت صابر، وفي كلا الحالتين أنت الرابح. أين نجد هذا التوازن في النظريات المادية التي تجعل قيمة الإنسان مرتبطة بإنتاجه المادي فقط؟
إن المشكلة التي نقع فيها اليوم هي "الانفصام" بين القراءة والتطبيق. نحن نقرأ القرآن بلساننا، لكن قلوبنا معلقة بـ "إشعارات" هواتفنا وبخوفنا من المستقبل. السكينة الروحية لا تأتي لمن يقرأ آيات الصبر ثم يجزع عند أول تأخير في رزقه، بل تأتي لمن "يتشرب" المنهج النبوي في التوكل. التوكل ليس عجزاً، بل هو قمة الذكاء النفسي؛ أن تفعل كل ما بوسعك، ثم تضع حملك كله على ملك الملوك، وتنام قرير العين لأنك تعرف أن "التدبير" ليس مهمتك بل مهمة الخالق.
علاوة على ذلك، فإن العبادات في الإسلام كالصلاة والذكر ليست طقوساً حركية، بل هي "واحات" للراحة. كان النبي ﷺ يقول لبلال: "أرحنا بها يا بلال". هل نشعر نحن بهذه الراحة؟ إذا لم نشعر بها، فربما لأننا نؤديها كحركات آلية. التوازن النفسي يبدأ عندما تتحول الصلاة من "شيء نؤديه" إلى "مكان نلجأ إليه". حين تسجد وتفرغ همومك في سجادة صلاتك، أنت تقوم بعملية "تفريغ انفعالي" لا يمكن لأرقى العيادات النفسية أن توفرها بهذا الصدق والعمق.
في الختام، إن العودة إلى القرآن والسنة ليست نكوصاً للماضي أو هروباً من الواقع، بل هي "استعادة للذات". وسط هذا العالم الذي يحاول سرقة سلامنا الداخلي، يظل الوحي هو الملاذ الوحيد الذي يعيد ترتيب أولوياتنا، ويذكرنا بأننا عابرون، وأن هذه الضغوط مهما عظمت فهي زائلة. ابدأ اليوم، افتح مصحفك بقلب المتعطش، واقرأ سيرة نبيك بروح الباحث عن السكينة، ستجد أن التوازن الذي تبحث عنه كان قريباً منك جداً، ينتظر فقط أن تفتح له باب قلبك
