حقوق الطفل في الإسلام قبل الحمل
العنوان: حقوق الطفل في الإسلام قبل الحمل
المقدمة:
اهتم الإسلام بالنفس البشرية بدرجة عظيمة وعالية جدًا لما لها من قدسية عند الله تعالى وعِظم مكانة، ومن هذا الاهتمام مظاهر كثيرة من أجملها جمال ما تفرد به الإسلام في التنويه والإشارة إلى ما يجب مراعاته مع الطفل قبل وجوده في رحم الأم وحتى قبل بدايات خلقهِ من الأساس.
ومظاهر اهتمام الإسلام ورعايته للطفل قبل الحمل تتمثل في:
1ـ التنويه بدور العامل الوراثي في التأثير على الطفل:
فقد اهتم الإسلام ببيان أنه من الأفضل مثلاً التباعد في الزواج من الأقارب لما يسببه هذا الزواج غالبًا من ضعف النسل. منه أيضًا ما اهتم به الإسلام من مراعاة الأصول والأعراق للزوجين لما لها من تأثير على الطفل، حيث أن الصفات الجيدة والصفات الذميمة يمكن أن تنتقل أيضًا بالوراثة، استنادًا إلى قول الله تعالى:
"فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تحمله قَالُوا۟ يَـٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا ـ يـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا " (1)
أشارت الآية إلى أن الناس قديمًا كانوا معتادين على توقع انتقال الصفات الخُلقية الجيدة من الآباء إلى الأبناء واعين بهذا الشيء. فيجب علينا أيضًا أن نعي تلك الحقائق في يومنا هذا فيما يتعلق بتأهيل مستقبل طيب لأطفالنا (2).
2ـ تهيئة الأسرة المسلمة:
لأن تربية الطفل تتم من خلالها، وجب علينا محاولة تكوين أسرة مسلمة تسعى إلى أن تكون عالية الأخلاق، حسنة التعامل، مُستقرة الصدر وهادئة، تحاول امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه لتعم فيها البركة من الله. فتكون هذه الأسرة المكان الأول لاستقبال الطفل وتنشئته بمثل ما تتحلى به من أخلاق. فالجوانب الأسرية السوية وتقليد الأبناء للآباء من أكثر ما يؤثر في شخصياتهم، لذا لابد من إحسان العمل على هذا الجانب.

3ـ بناء الحياة الزوجية:
تتكون الأسرة في البداية من زوج وزوجة، فهما اللذان يؤسسان بدايةً الأسرة المسلمة، التي يجب توافرها لإحسان استقبال الطفل. ولذا يجب أن يكون بينهما انسجام وحياة زوجية هادئة لكي يقدرا على إحسان السعي نحو تكوين الأسرة المسلمة المتخلقة بالأخلاق الحميدة، والتي تسعى إلى شكر نعم الله وتذكره في كل أحوالها.
مما يساعد على إحسان بناء هذه الحياة الزوجية بين الزوجين هو حسن اختيار كل منهما الآخر على أساس الدين والخُلق والتقارب بين الزوجين في الأخلاق والجوانب الاجتماعية والثقافية والعمر، تجنبًا لما يسببه عدم كفاءة هذه الجوانب من خلاف وعدم استقرار بين الزوجين.
ومن مظاهر بناء الحياة الزوجية أيضًا ألا يكون أحد الطرفين مكرهًا على الآخر، فلا بد من الإيجاب والقبول بينهما لأنها علاقة ستستمر لباقي العمر، فلا يحسن فيها غير أن تكون مؤسسة على قبول الطرفين لتحقيق الاستقرار والأمان للزوجين وللطفل.
وأيضًا لابد من إشهار الزواج وتوثيقه للحفاظ على حقوق الطفل في نسبته إلى والده.
الوعي بأن كلا الطرفين له حقوق وعليه واجبات، فيؤدي كل منهما ما للآخر عليه من حقوق ولا يقصر أحدهما في ذلك قدر إمكانه، لكي يدوم الحب بين الزوجين، متذكرين أن كل منهما يُحسن إلى الآخر ويُراع حاجاته.
وأخيرًا، التذكر أن الهدف الأسمى والغاية من الزواج هو إنجاب ذرية وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة، ولقد حرص الإسلام على هذه التهيئة الحسنة لاستقبال هذه الذرية والحفاظ على حقوقها قبل أن توجد، إشارةً إلى عظمة هذا الدين(3).
ـ الخاتمة :
في النهاية، يتضح لنا أن الإسلام لم يهتم بحقوق الطفل بعد ولادته فقط، بل بدأ الاهتمام به قبل أن يأتي إلى الدنيا، من خلال اختيار الزوجين الصالحين، والنية الطيبة، والدعاء، والبيئة الآمنة التي تُبنى على المودة والرحمة. فكل خطوة يخطوها الأبوان قبل الحمل تُعد لبنة أساسية في تكوين طفل سليم نفسيًا وروحيًا وجسديًا.
إن فهم هذه الحقوق وتطبيقها لا ينعكس على الطفل وحده، بل على الأسرة والمجتمع كله، لأن الطفل الذي ينشأ في بيئة صالحة يصبح فردًا صالحًا قادرًا على العطاء والبناء.
وإذا كنت مهتمًا بهذا الموضوع، يمكنك العودة لقراءة موضوعات أخرى تتناول حقوق الطفل في الإسلام بعد الولادة، وأساليب التربية النفسية والتربوية السليمة، لتكتمل لديك الصورة وتكون أكثر وعيًا بدورك في تربية جيل متوازن وسليم.
ـ المراجع:
1. سورة مريم، آية 27.
2. مقداد يالجن: بناء البيت السعيد في ضوء الإسلام، الرياض، دار المريخ، 1987، ص123. بتصرف.
3. السيد سابق: فقه السنة، ج2، دار الفكر، ط4، 1980، ص ص 19.20، ص ص 134.135. بتصرف.
سعاد إبراهيم صالح: أضواء على نظام الأسرة في الإسلام، جدة، مؤسسة تهامة، 1982، ص ص 29.42. بتصرف.
نايف الدعيس: الأسرة بناؤها وسعادتها وفق الشريعة الإسلامية، المدينة المنورة، مطابع البيك، ط4، 1994، ص ص 41.80. بتصرف.