الجهر بالدعوة وبداية المواجهة في مكة #6

الجهر بالدعوة وبداية المواجهة في مكة #6

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الجهر بالدعوة وبداية المواجهة في مكة #6

بعد أن تناولنا في المقالات السابقة بدايات الوحي، ومرحلة الدعوة السرية، وتكوُّن النواة الأولى من المؤمنين حول رسول الله ﷺ، نصل في هذه المقالة إلى منعطفٍ مهم في تاريخ الرسالة: مرحلة الجهر بالدعوة. إنها اللحظة التي خرج فيها الإسلام من دوائر البيوت المغلقة إلى فضاء مكة المفتوح، لتبدأ المواجهة العلنية بين الحق والباطل.

image about الجهر بالدعوة وبداية المواجهة في مكة #6

من السر إلى العلن

دامت الدعوة السرية قرابة ثلاث سنوات. خلال هذه الفترة تكوّنت جماعة مؤمنة صادقة، ضمّت رجالًا ونساءً من مختلف طبقات المجتمع المكي؛ من سادة قريش إلى المستضعفين والعبيد. كان الهدف من هذه المرحلة بناء قاعدة إيمانية راسخة، تُربّى على التوحيد، والصبر، والإخلاص، بعيدًا عن الضوضاء والاضطهاد.

ثم جاء الأمر الإلهي الحاسم: "وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ". هنا لم تعد الدعوة خيارًا شخصيًا في نطاق محدود، بل أصبحت رسالة تُبلَّغ علنًا، ولو ترتب على ذلك صدام مع المجتمع كله.

إنذار العشيرة

بدأ رسول الله ﷺ بدعوة أقرب الناس إليه، امتثالًا للأمر الرباني. جمع بني عبد المطلب، وخاطبهم بكلمات واضحة لا لبس فيها. لم يطلب منهم مالًا ولا جاهًا، بل دعاهم إلى كلمة التوحيد، وإلى الإيمان برسالته.

كان المشهد مهيبًا: رجل واحد يقف في وجه تقاليد مترسخة، وأعراف عمرها قرون، ويطلب من قومه أن يهدموا أصنامهم الفكرية قبل الحجرية. بعضهم سكت، وبعضهم تردد، لكن الذي تصدّر الرد كان عمه أبو لهب، الذي رفض الدعوة بشدة، معلنًا بداية جبهة المعارضة داخل البيت نفسه.

كانت هذه اللحظة إيذانًا بأن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود، وأن أقرب الناس قد يكونون أول المعارضين.

على جبل الصفا

ثم جاءت الخطوة الأوسع. صعد رسول الله ﷺ على جبل الصفا، وهو مكان اعتادت قريش أن تجتمع عنده عند وقوع أمر جلل. نادى بطون قريش قبيلة قبيلة، حتى اجتمعوا حوله. سألهم سؤالًا بسيطًا:
«أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟»
قالوا جميعًا: ما جربنا عليك كذبًا.

بهذا الإقرار العلني بصدقه وأمانته، وضع الأساس الأخلاقي لدعوته. ثم أعلنها صريحة: إنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد، ودعاهم إلى توحيد الله وترك عبادة الأصنام.

كانت هذه أول مواجهة فكرية علنية بين الإسلام والشرك في مكة.

ردّة فعل قريش

لم تكن قريش لتتجاهل الأمر. فالدعوة الجديدة لم تكن مجرد إضافة دينية، بل كانت تهدد بنيانًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا. مكة كانت مركزًا دينيًا للعرب، والكعبة تضم أصنام القبائل، والحج الوثني مصدر دخل ونفوذ. دعوة التوحيد تعني سقوط الأصنام، وبالتالي اهتزاز مكانة قريش بين العرب.

لهذا بدأت محاولات الاحتواء أولًا، ثم التشويه، ثم الضغط والاضطهاد.

اتهموا النبي ﷺ بالسحر، وبالشعر، وبالجنون. قالوا إنه يفرّق بين المرء وأبيه، وبين الأخ وأخيه. كانت الحرب نفسية في بدايتها، تهدف إلى صدّ الناس عن الاستماع إليه.

لكن المفارقة أن هذه الاتهامات نفسها ساهمت في انتشار الخبر. فكلما قالوا: "لا تسمعوا لهذا القرآن"، ازداد فضول الناس لسماعه.

ثبات المؤمنين الأوائل

في هذه المرحلة بدأت تظهر معادن الرجال والنساء. لم يعد الإيمان سرًا خفيًا، بل أصبح موقفًا معلنًا قد يكلّف صاحبه مكانته وأمنه وحياته.

كان من أوائل من جهر بإسلامه Bilal ibn Rabah، العبد الحبشي الذي لم يكن يملك من أمره شيئًا. حين علم سيده بإسلامه، عذّبه تحت لهيب الشمس، واضعًا الصخر على صدره، يطالبه بالعودة إلى عبادة اللات والعزى. لكن بلالًا لم يزد على كلمة واحدة: "أحدٌ أحد". لقد فهم جوهر الرسالة: الله واحد، ولا مساومة في التوحيد.

وكذلك آل ياسر، الذين تعرّضوا لأشد ألوان العذاب. لم يكن الإسلام بالنسبة لهم فكرة نظرية، بل حقيقة يعيشون من أجلها ويموتون عليها.

في المقابل، كان بعض المسلمين من أصحاب المكانة الاجتماعية، مثل Abu Bakr al-Siddiq، يستخدمون نفوذهم لحماية المستضعفين وشراء حريتهم. هكذا تكوّن مجتمع جديد، يقوم على الأخوة الإيمانية لا على العصبية القبلية.

الحكمة في إدارة الصراع..

لم يكن ردّ النبي ﷺ على الأذى بالمثل. لم يدعُ إلى ثورة مسلحة، ولا إلى صدام دموي. كان التوجيه واضحًا: الصبر، والثبات، وتلاوة القرآن، وبناء الإنسان.

كان القرآن ينزل تباعًا، يعالج النفوس، ويثبّت القلوب، ويعرض قصص الأنبياء السابقين ليؤكد أن طريق الدعوة محفوف بالابتلاء. فكما كُذّب نوح، وأوذي إبراهيم، وكُذّب موسى، فهذه سنّة ماضية في كل دعوة إصلاحية.

بهذا التوازن بين الجرأة في إعلان الحق، والحكمة في التعامل مع الواقع، بدأت ملامح المجتمع المسلم تتشكل.

تحوّل نوعي في مسار الدعوة..

مرحلة الجهر بالدعوة لم تكن مجرد إعلان إعلامي، بل كانت انتقالًا من البناء الداخلي إلى المواجهة الخارجية. قبلها كان التركيز على تكوين الفرد المؤمن، وبعدها أصبح التحدي هو الحفاظ على هذا الإيمان في بيئة معادية.

بدأت خطوط الانقسام تتضح في مكة:

فريق مؤمن مستعد للتضحية.

وفريق متردد يراقب المشهد.

وفريق معادٍ يرى في الدعوة خطرًا على مصالحه.

وهنا ظهر بُعد آخر في شخصية النبي ﷺ: القائد الصابر. لم يكن يملك سلطة دنيوية، ولا جيشًا، ولا مالًا وفيرًا. كان سلاحه الكلمة، وسنده الوحي، ودرعه الثقة بوعد الله.

أثر الجهر بالدعوة في المجتمع المكي..

أحدثت الدعوة العلنية حراكًا فكريًا غير مسبوق في مكة. لأول مرة تُطرح أسئلة جوهرية:
ما معنى الإله؟
هل يمكن أن يكون للكون خالق واحد؟
ما مصير الإنسان بعد الموت؟
هل العدل الإلهي يساوي بين السيد والعبد؟

هذه الأسئلة هزّت المجتمع من الداخل. لم تعد الأصنام مجرد أحجار، بل أصبحت موضع مساءلة عقلية. ومع كل آية تُتلى، كان يتسع الشرخ بين منظومتين: منظومة تقوم على التوحيد والعدل، وأخرى تقوم على الشرك والامتياز الطبقي.

دروس من هذه المرحلة..

البناء قبل المواجهة: لم تبدأ الدعوة بالصدام، بل بتكوين قاعدة صلبة.

الوضوح في الرسالة: حين جاء وقت الجهر، لم يكن هناك غموض أو تردد.

الثبات أمام التشويه: الاتهامات لا تُسقط الحق إذا كان قائمًا على الصدق.

التضحية تصنع التاريخ: ما كان للإسلام أن ينتشر لولا صبر المستضعفين قبل الأقوياء.

تمهيد لما بعده

مع استمرار الجهر بالدعوة، ستتصاعد حدة الاضطهاد، وستبحث قريش عن وسائل أشد لإيقاف هذا المدّ الجديد. وستظهر أحداث كبرى ستغيّر ميزان القوى تدريجيًا.

لكن في هذه المرحلة تحديدًا، ثبتت أقدام الدعوة في أرض مكة. لم تعد همسًا في بيت، بل أصبحت صوتًا يُسمع في الأسواق، وعند الكعبة، وفي المجالس.

لقد كانت لحظة الصفا إعلانًا بأن النور خرج إلى العلن، وأن المواجهة بدأت. ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة، عنوانها: الصبر في وجه العاصفة، والثقة بوعد السماء.

في المقالة القادمة، سننتقل إلى تصاعد الاضطهاد، وموقف قريش من انتشار الإسلام، وبداية التفكير في وسائل أكثر قسوة لإيقاف الدعوة.

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Ahmed تقييم 5 من 5.
المقالات

21

متابعهم

9

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.