من الهجرة إلى بناء الدولة: تأسيس المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة#8
من الهجرة إلى بناء الدولة: تأسيس المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة#8
بعد أن اشتد الأذى على المسلمين في مكة المكرمة، وأغلقت قريش كل أبواب الدعوة السلمية، جاءت اللحظة الفاصلة في تاريخ الإسلام: الهجرة. لم تكن الهجرة مجرد انتقال جغرافي من مدينة إلى أخرى، بل كانت تحوّلًا استراتيجيًا في مسار الدعوة، ونقلة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة. في هذه المقالة الثامنة من سلسلة السيرة النبوية، نسلّط الضوء على مرحلة ما بعد الهجرة، وبداية تأسيس الكيان الإسلامي في المدينة، بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

أولًا: مشهد الوصول… استقبال لم يشهد له التاريخ مثيلًا..
خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرًا مع صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بعد مؤامرة قريش لاغتياله. وبعد رحلة شاقة، وصل إلى قباء، حيث أسس أول مسجد في الإسلام، ثم دخل المدينة التي كانت تُعرف آنذاك بـ"يثرب".
استقبل أهل المدينة – الأنصار – النبي بقلوب مفتوحة قبل بيوتهم، وصدحت حناجرهم بعبارات الترحيب والفرح. كان ذلك الاستقبال إعلانًا ببداية عهد جديد، عنوانه النصرة والتضحية، ومضمونه بناء مجتمع يقوم على العقيدة لا العصبية.
ثانيًا: أولى خطوات البناء… المسجد قبل كل شيء..
منذ اللحظة الأولى، حدّد النبي أولويات المرحلة الجديدة. فلم يبدأ ببناء القصور، ولا بتنظيم الجيوش، بل بدأ ببناء المسجد. كان المسجد النبوي في المدينة مركز إشعاع حضاري شامل، لا يقتصر دوره على العبادة، بل كان:
مقرًا للقيادة السياسية.
مجلسًا للشورى واتخاذ القرار.
مدرسة لتعليم القرآن والسنة.
مأوى للفقراء والمهاجرين (أهل الصُّفّة).
منطلقًا للبعوث والدعوة.
بهذا التأسيس، وضع النبي قاعدة واضحة: لا يمكن أن تقوم أمة بلا مرجعية إيمانية وروحية تضبط حركتها.
ثالثًا: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار… تجربة إنسانية فريدة..
كان المهاجرون قد تركوا أموالهم وديارهم في مكة، فجاؤوا إلى المدينة بلا ممتلكات تقريبًا. وهنا تجلّت عبقرية القيادة النبوية؛ إذ آخى النبي بين المهاجرين والأنصار، فصار الرجلان أخوين في الدين، يتقاسمان المال والمسكن والعمل.
هذه المؤاخاة لم تكن مجرد عاطفة طارئة، بل كانت عقدًا اجتماعيًا حقيقيًا، أزال الفوارق القبلية، وأقام رابطة تقوم على العقيدة. لقد تحوّل المجتمع المدني إلى نسيج متماسك، تتلاشى فيه الأحقاد القبلية القديمة، ويعلو فيه الانتماء للإسلام فوق كل انتماء.
رابعًا: وثيقة المدينة… أول دستور مدني في الإسلام..
من أبرز معالم مرحلة التأسيس ما عُرف بـ"صحيفة المدينة"، وهي وثيقة نظّمت العلاقة بين المسلمين واليهود وبقية سكان المدينة. وقد أرست مبادئ مهمة، منها:
أن المسلمين أمة واحدة من دون الناس.
ضمان حرية الدين لليهود.
التعاون على الدفاع عن المدينة.
تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في النزاعات الكبرى.
بهذه الوثيقة، وضع النبي أسس دولة تقوم على العدالة والتعددية الدينية، في إطار من السيادة والمرجعية الواضحة. لقد كانت تجربة متقدمة في إدارة التنوع، تثبت أن الإسلام منذ بدايته أقام مجتمعًا منظمًا، لا فوضى فيه ولا استبداد.
خامسًا: التحديات الداخلية… المنافقون واليهود.
لم تكن المدينة أرضًا خالية من التحديات. فقد ظهر فيها فريق من المنافقين، يتزعمهم عبد الله بن أبي بن سلول، الذي كان يرجو أن يُتوّج ملكًا قبل قدوم النبي. فلما التف الناس حول الإسلام، أضمر الحقد وأظهر الإسلام نفاقًا.
تعامل النبي مع هذه الظاهرة بحكمة بالغة؛ فلم يعاقبهم على نواياهم، بل ترك أمر سرائرهم إلى الله، ما داموا لم يعلنوا تمردًا مسلحًا. وهنا تتجلى سياسة التوازن بين الحزم والرحمة، والحفاظ على وحدة الصف في مجتمع ناشئ.
أما اليهود، فقد نقض بعضهم العهود لاحقًا، وبدأت بوادر التوتر تظهر، خصوصًا مع محاولات إثارة الفتن بين الأوس والخزرج. ومع ذلك، ظل النبي ملتزمًا بالعهود ما التزموا بها.
سادسًا: التحول من السلم المطلق إلى الإذن بالقتال..
في مكة، كان المسلمون مأمورين بالصبر وكفّ الأيدي. أما في المدينة، فقد نزل الإذن بالقتال دفاعًا عن النفس وردًا للعدوان. لم يكن القتال هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لحماية الدعوة والكيان الجديد.
بدأت السرايا الاستطلاعية لتأمين طرق المدينة، وإشعار قريش بأن مرحلة الاستضعاف قد انتهت. وكان الهدف إظهار القوة الرادعة، لا الاعتداء. وهنا يتضح أن الإسلام لم يفرض القتال، بل شرّعه لحماية الحرية الدينية والوجود المجتمعي.
سابعًا: معركة بدر… أول اختبار حقيقي..
في السنة الثانية للهجرة، وقعت أول مواجهة كبرى بين المسلمين وقريش: غزوة بدر. خرج المسلمون لاعتراض قافلة تجارية لقريش، تعويضًا عما سُلب منهم في مكة، لكن الأمر تطور إلى مواجهة عسكرية مع جيش يفوقهم عددًا وعتادًا.
ورغم قلة عدد المسلمين – نحو ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا – فقد تحقق النصر، في حدث غيّر موازين القوى في الجزيرة العربية. كان انتصار بدر رسالة واضحة بأن هذا الكيان الجديد ليس ظاهرة عابرة، بل قوة صاعدة تستند إلى إيمان راسخ وتنظيم محكم.
وقد عززت بدر مكانة النبي في المدينة، ورفعت الروح المعنوية للمسلمين، لكنها في الوقت ذاته زادت حقد أعدائهم، ومهّدت لسلسلة من الصراعات اللاحقة.
ثامنًا: بناء الاقتصاد والمجتمع..
لم يغفل النبي جانب البناء الاقتصادي. فقد أسس سوقًا للمسلمين مستقلًا عن تحكم اليهود، قائمًا على العدل ومنع الاحتكار والربا. كما نظّم العلاقات المالية، وشرع الزكاة لاحقًا لتكون ركيزة في التكافل الاجتماعي.
كان المجتمع المدني الجديد يقوم على ثلاثة أعمدة:
الإيمان: مرجعية روحية وأخلاقية.
العدالة: نظام قانوني يحفظ الحقوق.
التكافل: شبكة دعم اجتماعي للفقراء والمحتاجين.
بهذا التوازن، لم تكن الدولة الإسلامية مجرد سلطة سياسية، بل منظومة قيمية متكاملة.
دلالات مرحلة التأسيس..
تُظهر هذه المرحلة من السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قائدًا روحيًا فحسب، بل كان رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فقد جمع بين:
الرؤية الاستراتيجية (الهجرة كتحول مرحلي).
البناء المؤسسي (المسجد، المؤاخاة، الصحيفة).
الإدارة الحكيمة للتنوع والصراعات.
الاستعداد العسكري المنضبط أخلاقيًا.
إن الانتقال من مكة إلى المدينة يمثل درسًا خالدًا في أن التمكين لا يأتي فجأة، بل يُبنى عبر التخطيط، والصبر، وإعداد الكوادر، وتوحيد الصف الداخلي.
خاتمة: من بذرة إلى أمة..
عندما دخل النبي المدينة مهاجرًا، لم يكن يملك جيشًا جرارًا ولا ثروة طائلة، لكنه كان يحمل رسالة واضحة، ورؤية لبناء إنسان قبل بناء عمران. وخلال سنوات قليلة، تحولت المدينة إلى عاصمة لدولة ناشئة، امتد أثرها إلى ما وراء الجزيرة العربية.
إن مرحلة تأسيس الدولة في المدينة تؤكد أن الحضارات تبدأ بفكرة، وتترسخ بقيم، وتحيا بقيادة واعية. لقد غيّرت الهجرة مجرى التاريخ، وأثبتت أن الصبر على الابتلاء قد يفتح أبواب التمكين.