حلاوة الإيمان - لماذا نفقدها وكيف نستعيدها؟
رسالة إلى من أنهكه الألم: ربك لم ينسك، إنما يعدك لأمر عظيم

مقدمة: طعم الإيمان الحقيقي
هل تذوقت حلاوة الإيمان يومًا؟ تلك اللذة التي تغمر القلب عندما تفيق من نومك فتجد قلبك متعلقًا بالله، تلك السكينة التي تنزل عليك وأنت في سجودك، ذاك الأنس الذي تشعر به وأنت تذكر الله في ليل أو نهار. إنها حلاوة الإيمان التي وصفها النبي ﷺ وجعلها ثمرةً لمحبة الله ورسوله وتقديمهما على كل شيء .
يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أنس بن مالك: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» . هذا الحديث العظيم هو ميزان الإيمان في القلب، وبوابة السعادة الحقيقية في الدنيا قبل الآخرة.
أسباب فقدان الحلاوة
لكن كثيرًا منا اليوم يشعر بفتور في قلبه، وثقل في الطاعة، وغياب لتلك الحلاوة التي كان يتذوقها في بداية طريقه مع الله. لماذا نفقدها؟ أول أسباب فقدانها الغفلة، وكثرة الانشغال بالدنيا، حتى تؤدى العبادات بلا حضور، وتتحول الطاعة إلى عادة جوفاء لا روح فيها .
ويزيد الأمر سوءًا الإصرار على الذنوب، خاصة الذنوب الخفية التي تُطفئ نور القلب دون أن يشعر صاحبها. فالذنب يُحدث ظلمة في القلب تنعكس على الجوارح، فتصبح الطاعة ثقيلة، والقرب من الله شاقًا . وكثرة الانشغال بالمباحات أيضًا تُضعف هذه الحلاوة، لأن القلب إذا تعلق بكثرة المباحات، ضعف تعلقه بالله.
طريق الاستعادة: روشتة عملية
أما استعادة الحلاوة، فطريقها واضح، وإن احتاج إلى صدق وصبر. تبدأ بتوبة صادقة تعيد القلب إلى الله، وتصحح المسار. التوبة النصوح تمحو أثر الذنوب وتعيد للقلب نقاءه .
ثم تأتي مرحلة إحياء الصلة بالقرآن، ولكن ليس تلاوةً مجردة، بل تدبرًا وتفكرًا. القرآن هو نور القلب، فإذا أقبل عليه العبد بصدق، أنار بصيرته وفتح له أبواب الفهم والحلاوة . يقول الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].
ثم تأتي مرحلة مجاهدة النفس على حضور القلب في الصلاة والذكر. الصلاة هي معراج المؤمن، وفيها يجد العبد أقرب ما يكون من ربه. فإذا أديت الصلاة بخشوع وحضور قلب، وجدت فيها راحتك وسعادتك. كان النبي ﷺ يقول لبلال: «أرحنا بالصلاة يا بلال» [أبو داود]. ويأتي الإخلاص ليمنح العبادة روحها، فإذا أخلص العبد لله في قوله وعمله، وجد حلاوة العمل وثمرته .
الخاتمة: ثمرة الصدق مع الله
حلاوة الإيمان ليست كرامةً خاصة، ولا حالًا دائمًا لا يتغير، بل هي ثمرة لقلبٍ صدق مع الله، وأقبل عليه بضعفه وافتقاره. من صدق في طلبها، وجدها؛ لأن الله أكرم من أن يخيّب من طرق بابه . اللهم ارزقنا حلاوة الإيمان وقرة العين بطاعتك يا رب العالمين