العشرة المبشرين بالجنة (٣) عثمان بن عفان رضي الله عنه: ذو النورين وسيد الحياء وباني الأمجاد
العشرة المبشرين بالجنة
(٣) عثمان بن عفان رضي الله عنه: ذو النورين وسيد الحياء وباني الأمجاد

يُعد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين وأحد أعظم رجالات الإسلام، وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، يلتقي نسبه مع النبي ﷺ في عبد مناف، وقد وُلد في مكة بعد عام الفيل بست سنوات تقريبًا، ونشأ في بيت عريق من بيوت قريش، عُرف بالثراء والجاه، إلا أنه تميز منذ صغره بالخلق الكريم، والحياء الشديد، والعفة والطهارة، فلم يُعرف عنه لهو الجاهلية ولا عبادة الأصنام، وكان من القلائل الذين امتازوا برجاحة العقل وصفاء النفس قبل الإسلام، مما جعله مهيأً لتقبل نور الدعوة عندما أشرقت شمس الإسلام، وقد لُقّب بعدة ألقاب أشهرها "ذو النورين" و"صاحب الهجرتين" و"أمير المؤمنين"، وكان مثالًا للتاجر الصادق الناجح الذي جمع بين حسن المعاملة والكرم والسخاء، فكان ماله في يده لا في قلبه، ينفقه في الخير ويبتغي به وجه الله.
بدأت قصة إسلام عثمان بن عفان رضي الله عنه حين دعاه صديقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الإسلام، فلم يتردد، بل استجاب بسرعة لما عرف عنه من صفاء الفطرة، فكان من السابقين الأولين، ويُعد من أوائل من دخلوا في الإسلام من الرجال، وقد تعرض بسبب إسلامه للأذى من قومه، حتى قيده عمه وأراد أن يرده عن دينه، لكنه ثبت على الحق ولم يتراجع، ثم هاجر الهجرتين: الأولى إلى الحبشة فرارًا بدينه، والثانية إلى المدينة المنورة، وكان بذلك من القلة التي نالت هذا الشرف العظيم، وقد زوّجه النبي ﷺ بابنته رقية رضي الله عنها، فلما توفيت زوّجه بأختها أم كلثوم رضي الله عنها، ولذلك سُمي "ذو النورين"، إذ لم يُعرف في التاريخ رجل تزوج ابنتي نبي غيره، وهو شرف عظيم يدل على مكانته الرفيعة عند رسول الله ﷺ، وقد كان النبي يحبه حبًا كبيرًا ويثني عليه، وقال فيه: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"، فكان مثالًا في الحياء حتى صار مضرب المثل فيه.
تميّز عثمان رضي الله عنه بمناقب عظيمة جعلته من كبار الصحابة، فقد جمع بين العبادة والزهد والكرم، وكان كثير الصدقة، لين القلب، رقيق المشاعر، يحب الخير للناس جميعًا، وكان من أعظم إنجازاته في عهد النبي ﷺ مشاركته في دعم الدولة الإسلامية ماليًا، فقد جهز جيش العسرة في غزوة تبوك، حين دعا النبي ﷺ الصحابة للتبرع، فكان عثمان أول المستجيبين، حيث جهز ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وتبرع بألف دينار، فقال النبي ﷺ: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم"، في إشارة إلى عظم هذا العمل، كما اشترى بئر رومة وجعلها صدقة للمسلمين بعدما كان اليهود يبيعون ماءها، فخفف بذلك عن المسلمين، وقد شارك في بعض الغزوات، وغاب عن غزوة بدر بإذن من النبي ﷺ لتمريض زوجته رقية رضي الله عنها، ومع ذلك أعطاه النبي أجر المجاهدين ونصيبه من الغنيمة، مما يدل على مكانته الخاصة.
وعندما تولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، استلم دولة قوية مترامية الأطراف، فواصل مسيرة الفتوحات الإسلامية، حيث امتدت الدولة في عهده إلى أرمينيا وخراسان وشمال إفريقيا، وشهد عهده أول أسطول بحري إسلامي، كما كان له أعظم الأثر في جمع القرآن الكريم في مصحف واحد، حين خشي اختلاف القراءات، فأمر بنسخ المصحف وإرسال نسخ إلى الأمصار، فحفظ الله به كتابه من التحريف، وكان هذا العمل من أعظم إنجازاته على الإطلاق، وقد تميز حكمه بالعدل واللين، إلا أن هذه اللين استغله بعض المنافقين وأهل الفتنة، فبدأت تظهر بوادر اضطرابات داخلية، خاصة في أواخر خلافته، نتيجة دسائس أعداء الإسلام وتأليب الناس عليه بالباطل.
ورغم ما تعرض له عثمان رضي الله عنه من انتقادات وفتن، إلا أنه ظل ثابتًا على مبادئه، صابرًا محتسبًا، رافضًا استخدام القوة ضد المسلمين، حرصًا على وحدة الأمة وحقن الدماء، حتى اشتدت الفتنة وحاصره الخارجون على طاعته في بيته، ومنعوه من الخروج، بل ومنعوا عنه الماء، ومع ذلك لم يأذن لأحد من الصحابة بالقتال دفاعًا عنه، وكان يقول: "أكره أن ألقى الله بدماء المسلمين"، وقد تجلت في هذه المرحلة أعظم معاني الصبر والثبات، حيث آثر التضحية بنفسه على أن يُراق دم مسلم بسببه، فكان مثالًا للحاكم الزاهد الذي يقدّم مصلحة الأمة على نفسه.
وفي يومٍ حزين من أيام الأمة الإسلامية، قُتل عثمان بن عفان رضي الله عنه مظلومًا شهيدًا، وهو يقرأ القرآن في بيته، سنة 35 هـ، فاختلط دمه الطاهر بآيات كتاب الله، في مشهد مؤثر يهز القلوب، وقد كانت وفاته بداية لمرحلة من الفتن العظيمة في تاريخ المسلمين، إلا أن مكانته بقيت راسخة في قلوب المؤمنين، فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وصاحب رسول الله ﷺ، وزوج ابنتيه، وأحد أعمدة الإسلام في بداياته، وقد ترك إرثًا عظيمًا من العطاء والتضحية، ليبقى اسمه خالدًا في سجل التاريخ كرمز للحياء والكرم والصبر، ونموذجًا فريدًا للحاكم العادل الذي جمع بين القوة في الحق والرحمة بالناس، فرضي الله عنه وأرضاه وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.