عزل رمضاني خاص

عزل رمضاني خاص

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

((رمضان جانا وفرحنا به..)) أم يجب أن نقول حَزِّنا به!

لاحظت في الآونةِ الأخيرة ومع  بضع أيامٍ تفصلنا عن رمضان هالةً غريبةً من الكآبةِ وغيومً من الحزنِ والحسرةِ عند الناس، وامتلاء وسائل التواصلِ بالنواح وصور الحداد على رمضان. بالطبع ليس لمجيءِ رمضانَ بذاته، ولكن لمجيئه في هذا التوقيتِ بالذات (وقت الكورونا والعزل المنزلي). فبكى الناسُ رمضانَ وترحموا على صلاةِ القيام والتراويحِ وودعوا التجمعاتَ الأسرية وصلةَ الأرحام.


أما أنا فقد رأيتُ في ذلك الخيرَ الكثير، قد أكونُ من بين الكثير من ترقبتُ رمضانً مميزً ومباركً في هذا العزل. وفي السطور القليلة التالية ستدرك من وجهة نظري لماذا وكيفَ. 

لكن قبل ذلك أود أن أذكركَ برمضان في نبذةٍ مختصرةٍ دون الدخول في تفاصيلٍ قد سمعناها مرارًا وتكرارًا ألا وهي أفضلُ الأعمالِ في رمضان. فما عَلَمَنا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عنه إلا أَنه شهر صيامٍ وقيامٍ وتلاوةٍ وتدبرٍ للقرآن وذكرٍ للرحمن وما يوازيهم من أعمال الخيرِ من الصدقاتِ والدعاءِ وغيرهم. قال تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ*﴾ [1]. فتلكَ هي العبادات والأعمال المنوطُ أنت بها في رمضان. إذًا هل لازلت ترى أن ذلكم الرمضانَ ناقص! هل تعتقد أننا قد حرمنا فيه أيًا من تلك العبادات ما قد ذقناه في أي رمضانٍ سابق؟! فليرتح قلبُكَ ولتهنأ نفسك، فجلَ تلك الأعمال متاحةٌ ميسرة، ومرزقٌ أجرها كاملٌ بإذن الله.


أما عن المسائل التي تبهجني بحلولِ رمضانَ في فترةِ عزلٍ فهي أنه وعلى العكس قد رُزقنا في رمضانَ هذا ما تمنيناه طويلًا، فأخيرًا قد انعزلنا عن بعض ملوثاتِ السمعِ والبصرِ التي قد كانت تقع برمضان ونحن منها على نفورٍ واستياء، فرمضانُ سيأتي أخيرًا بشوارعٍ خاليةٍ من سهر الليل على النواصي والمقاهي، فلا نرى هذا يلعبُ الطاولة وهؤلاء يختلسون النظرَ إلى بعضِ الفتيات، رمضانُ دون نساءٍ يتسكعنَ أواخرَ الليلِ  بملابسٍ لا تليقُ ببقية الأيامِ ناهيكَ عن أيام رمضان، رمضانُ بلا سياراتٍ في منتصف الليل تقطع صلاتك بأغنيةٍ هي أعلى من صوتِ الآذان نفسِه موزعًا سيئاتٍ بالمجان. لا اجتماعاتِ سهرٍ وسمرٍ للعبِ الورقِ والدومينو مع الأقارب وإلقاء النكاتِ، لا محالَّ ولا مطاعمَ تجعلُ الناس يسهرون طيلة الليل في الطرقاتِ يتسوقون ويأكلون، بدلًا من اغتنامِ كل ساعةٍ من رمضانَ متقلبين من عبادة لعبادة. فيُمسي رمضانَ نهارًا بالمطبخ وليلًا بالطرقات. فغدا رمضانَ بغير اسمه وشكله فأصبحَ شهرَ الطعامِ بدلَ الصيامِ، وشهرَ التسوقِ بدلَ القيامِ، وشهرَ اللعبِ واللهوِ بدلًا عن الذكرِ، وشهرَ الإسرافِ بدلَ الصدقات. فما نلنا منه إلا جوعًا ولا غنمنا مِنه إلا سهرًا، كما قال نبينا ﷺ « رُب صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، ورُب قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر»[2].


نحن من انعزلنا عن رمضانَ قبلَ أن ينعزلَ هو عنا، ونحن من أنكرنا النعمةَ فتنكرت علينا، ونحن من فرَّطنا في حقِ الله فغضِبَ هو علينا. ثم نحزن أن رمضان سيكون تلكمُ المرةَ ونحن في بيوتنا؟ في متسعٍ من الوقت، بعيدينَ عن اللهو والهزل، مجتمعينَ على الطاعة، ومركزينَ على العبادة!


فما أجملَ وأرقى من تلكمُ صورةٍ التي فيها أسرةٌ مجتمعةٌ يصلي بهم الوالدُ الفجرَ في جماعة، ثم يتمتمُ كلَ واحدٍ منهم بأذكارِ الصباح -ولا يقرأنها مجتمعينَ بصوتٍ واحد فهذا من البدعِ التي لا تصح-[3]. ثم يجلسون مجتمعين يتلون القرآن يتعاقبونَ كلً يقرأ ربعًا من القرآن أو ما شابهه، وفي خلال اليوم تصلى كل الصلوات المكتوبةِ في جماعة فلا يتأخر عنها فرد ويرزق الرجال ثواب الصلاة في المسجدِ -بإذن الله-. على مائدة الإفطار يحضر الوالدان بعض الألغاز والمسابقات الإسلامية التي تضفي جوًا من المرح والفائدة في آنٍ واحدٍ. وبعد الإفطار يخيم جوٌ إيمانيٌ البيت فالأب تارة يعطيهم درسًا دينيًا -ولو مبسطًا- عن فضيلةٍ أو حديثٍ أو فقهٍ وتارةً أخرى الأبناءُ هم من يحضرونَ معلومةً أو يقرأن للجميع جهرًا كتيبًا دينيًا فتنمو لديهم ملكة الخطابة وحب العلم والبحث.


في الليل تراهم قائمينَ يصلونَ القيام، فالوالدُ يصلي بهم إمامًا [4] وياحبذا لو تناوبَ مع أبناءِه- الشباب منهم- فيصلي كلٌ ركعتينِ ثم يختم الوالدُ بوترٍ يصاحبه دعاءٌ يلامس قلوب الجميع فيدعو له ولزوجه ولولده كلٌ بما يتمنى، وللأسرة جميعًا أن يدوم اجتماعهم على كل طاعة وخير. فيرزقون من الأجر ما كتبه الله لهم ويجتمعون على أحب الأشياء إلى الله عبادته، وتتآلف القلوب، والخلافات تذروها رياح هذا الجو الإيماني الودود. فتكادُ من مكانكَ تشتم رائحة البخورِ وتسمع همهمةَ الذكر وصوتَ الدعاءِ ونحيط َالبكاء[5]. فأما هذا فهو رمضانُ اسمًا وشكلًا ورائحةً. فيا سعدنا بهذا العزل الرمضاني إن كان بتلك الصورة ويا ليت كلَ رمضانٍ معزول.



أخبرني كيف كان رمضانك هذا العام وماذا أضفت له كي يكون مميزًا مختلفًا وروحانيًا ؟



image about عزل رمضاني خاص

[1] سورة البقرة الآية (186،185)

[2] رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

[3] حكم أداء الأذكار بصوت مرتفع وبصورة جماعية

https://islamqa.info/ar/answers/154213

[4]  إذا كان الإمام لا يحفظ ما تنقضي به صلاة القيام فيجوز له الصلاة ممسكًا بالمصحف ولا حرج في ذلك، فيجوز امساك المصحف بأي نافلة وعدا الفريضة.

https://islamqa.info/ar/answers/65924

[5] النحيط: هو صوت البكاء المتردد في الجوف

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
مريم برغش تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

5

متابعهم

6

مقالات مشابة
-