سُبْحَانَ مَنْ إِنْ أَرَادَ كَانَ ﴾

سُبْحَانَ مَنْ إِنْ أَرَادَ كَانَ ﴾
ليس في الوجودِ شيءٌ يقومُ بنفسه
ولا يتحركُ وحده
ولا يملكُ أن يظهرَ أو يختفي إلا بإذنِ من قال له كن فكان
سبحانَ من جعلَ لكلِّ معنىً رداء
ولكلِّ سرٍّ مظهرًا
ولكلِّ نورٍ طورًا
فترى الأشياءَ بعينِ الجسد
ولا تدركُ أن وراءَ كلِّ صورةٍ اسمًا من أسمائه يتجلّى
هو الظاهرُ بلا احتياجٍ إلى ظهور
وهو الباطنُ بلا غياب
وهو القريبُ الذي لا تبعدُ عنه المسافات
ولكنها الحجبُ إذا تكاثفتْ على القلب
جعلتِ الإنسانَ يرى الأكوانَ كلها
ويغيبُ عنه الحقُّ الذي قامتْ به الأكوان
﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
وما كانوا عنه بعيدين
ولكنهم ابتعدوا بالحجاب
ابتعدوا بالكبر
ابتعدوا بالوهم
ابتعدوا حين ظنّوا أن لأنفسهم حولًا وقوةً واستغناء
فالعوزُ الحقيقي
ليس فقرَ المال
بل فقرَ البصيرة
والنقصُ الحقيقي
ليس نقصَ الأشياء
بل انقطاعَ القلب عن الكمالِ الحق
ولهذا كان الاستعاذةُ نورًا
﴿ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾
أي نعوذُ بالكمالِ من دعوةِ النقص
وبالنورِ من ظلماتِ الوهم
وبالحقيقةِ من كلِّ ما يزيّنُ للروحِ البعدَ عن الله
اللهمَّ أنت السلامُ ومنكَ السلام
تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرام
ما أعمقَ لحظةَ أن يشعرَ الإنسانُ أنه انتهى
انتهى من تعبٍ طويل
من حملٍ ثقيل
من خوفٍ كان يأكلُ روحه بصمت
من معركةٍ خاضها داخلَ نفسه سنوات
تلك الراحةُ التي يشعرُ بها العبدُ بعد انتهاءِ الامتحان
أو بعد الفراغِ من مسؤوليةٍ أثقلتْ صدره
ليست إلا أثرًا صغيرًا من معنى التسليم
فكيف بمن شهدَ أن لا إله إلا الله حقًّا
حينها يفهمُ أن لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله
وأن الرزقَ ليس بيدِ الخلق
وأن التدبيرَ الحقيقيَّ لله
وأن القلوبَ لا يطمئنُّها إلا قربُه
يعلمُ أن اللهَ أقربُ إليه من خوفه
وأقربُ إليه من همّه
وأقربُ إليه من صوتِ أفكاره حين تضجُّ داخله
فيهدأ
لأنَّه أدركَ أن اللهَ كافيه
﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾
وعلى قدرِ إخلاصِك
تسقطُ الأحمالُ عن روحك
تسقطُ الهموم
والتشتت
والتردد
والوساوس
ونارُ النفس
وحرُّ التدبير
والركضُ خلفَ كلِّ سراب
فتدخلُ في سلامٍ لا يصنعه بشر
سلامٍ يأتيك لأنك سلّمتَ الأمرَ لمن بيده الأمر
سبحانَ من جعلَ حديثَ النفسِ لا يسمعه إلا صاحبُه
ليشهدَ الإنسانُ عجزَ المخلوقين جميعًا عن إدراكِ ما بداخله
فإذا كان المخلوقُ لا يسمعُ إلا نفسَه
فكيفَ بالخالقِ الذي يعلمُ السرَّ وأخفى
هناك يشعرُ القلبُ بالقرب الحقيقي
لا قربَ المسافة
بل قربَ الإحاطة
قربَ العلم
قربَ الرحمة
قربَ الولاية
﴿ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ ﴾
سؤالٌ إذا نزلَ على القلبِ بصدق
اهتزّتْ له كلُّ الحجب
فتجيبُك الأكوانُ كلُّها
بصمتِها وضجيجِها
بليلِها ونهارِها
بالموتِ والحياة
بالضعفِ والقوة
لا إله إلا الله
والله أكبر ولله الحمد
﴿ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
حتى القلمُ
لم يُخلقْ ليقاومَ يدَ صاحبه
بل خُلقَ ليستسلم
يتحمّلُ الضغطَ على رأسه
ويتحرّكُ في كلِّ اتجاه
ويحملُ الحبرَ الذي أودِعَ فيه
حتى تخرجَ الكلماتُ ذاتَ معنى وأثر
وكأنَّ اللهَ يعلّمُ الإنسانَ أن الرسالةَ لا تُكتبُ إلا إذا قبلتَ التشكيل
ولا يظهرُ الأثرُ إلا إذا صبرتَ على الحركةِ والألم
فسبحانَ من يكتبُ بنورِه في الأرواح
ويُظهرُ كلماتِه في أطوارٍ متعددة
في كلِّ زمانٍ ومكان
وفي كلِّ حالٍ وشأن
هو الخالقُ البارئُ المصوّر
تباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين
وسلامٌ على كلماتِ اللهِ التامات
التي إذا لامستْ قلبًا صادقًا
أخرجته من ضيقِ النفس
إلى سعةِ اليقين