﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾

خرائطُ الوحي
وَهُوَ مَعَكُمْ… لماذا لا يشعرُ الإنسانُ أنه وحده رغم أنه وحده
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
من أكثرِ الأشياءِ التي تُتعبُ الإنسان
ليس أن تقلَّ الحلول
ولا أن تكثرَ الأحمال
ولا حتى أن يغيبَ الناس
بل أن يشعرَ أنه يحملُ الحياةَ وحده
ولهذا
قد يكونُ الإنسانُ وسطَ الجميع
ويشعرُ بوحدةٍ لا تُحتمل
وقد يجلسُ وحده
لكن قلبَهُ ممتلئٌ بشيءٍ لا يعرفُ لهُ اسمًا
وكأن القضيةَ لم تكنْ يومًا:
هل يوجدُ أحد؟
بل:
من الحاضرُ معكَ؟
ولهذا
كان من أعجبِ ما يكررهُ الوحي
ليس وصفَ قدرةِ الله
ولا ملكِ الله
ولا قهرِ الله
بل:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
وكأن اللهَ لا يخبرُكَ فقط أنهُ يعلم
بل يوقظُ فيكَ شيئًا نسيتهُ روحُك
أنكَ لم تكنْ وحدكَ أصلًا
منذُ أولِ لحظة
حين بكيتَ ولم يفهمْ أحد
كان يسمع
حين خفتَ وأخفيت
كان يرى
حين ظننتَ أن لا أحدَ يعرفُ تعبكَ
كان يعلم
حين ظننتَ أنكَ نجوتَ وحدكَ
كان يحملُكَ دون أن تشعر
﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
لكن الإنسانَ لهُ عادةٌ عجيبة
أنهُ يقيسُ الحضورَ بما تراهُ عيناه
فإذا لم يرَ شيئًا يتحرك
ظنَّ أن لا أحدَ هنا
ولهذا
كان الإيمانُ بالغيب
ليس إيمانًا بوجودِ الله
بل إيمانًا أن حضورهُ لا يحتاجُ إلى ظهور
وهنا يبدأُ مقامٌ آخر
أن تتوقفَ عن طلبِ الأدلةِ على أن اللهَ معكَ
وتبدأَ في رؤيةِ الأدلةِ أنهُ لم يترككَ يومًا
من الذي حفظكَ في أشياءَ لو عادتْ بكَ الذاكرةُ إليها
لقلتَ:
كيف خرجتُ منها؟
من الذي جاءكَ بالسكينةِ في لحظةٍ
كان المفروضُ أن تنهار؟
من الذي غيّرَ قلبَك
في الوقتِ الذي لم يكنْ فيهِ أحدٌ يستطيع؟
من الذي جعلَ بابًا يُفتح
في وقتٍ كنتَ ترى فيهِ كلَّ الأبوابِ مغلقة؟
من؟
وهنا
يصمتُ القلب
لأن بعضَ الأسئلةِ
إجابتُها ليست فكرة
إجابتُها:
الله
ولهذا
كان أخطرُ ما يفعلهُ الشيطان
ليس أن يُشعركَ أن اللهَ غيرُ موجود
بل أن يُشعركَ أن اللهَ بعيد
أنك وحدكَ
أنكَ تُدبّرُ وحدكَ
أنكَ تدعو وحدكَ
أنكَ تخافُ وحدكَ
حتى يتضخمَ الحمل
وتتعبَ النفس
بينما الحقيقةُ
أن الذي خلقَ السماواتِ والأرض
كان يقولُ لكَ طوالَ الوقت:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
لكن الضجيجَ كان أعلى
ولهذا
لم يقلِ النبيُّ ﷺ لصاحبِهِ في الغار:
سننجو
ولا:
لدينا خطة
ولا:
الأسبابُ قوية
بل قال:
﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
وكأن وجودَ الله
لم يُلغِ الخطر
لكن ألغى الوحشة
وهذا من أعظمِ أسرارِ المعية
أنها لا تغيّرُ الواقعَ دائمًا
لكنها تغيّرُ موقعَكَ داخل الواقع
فتصبحُ داخلَ البلاءِ
لكن لستَ وحدكَ
داخلَ الطريق
لكن لستَ وحدكَ
داخلَ الحيرة
لكن لستَ وحدكَ
ولهذا
حين يمتلئُ القلبُ بمعيةِ الله
يتغيرُ شيءٌ عجيب
لا يعودُ الإنسانُ يريدُ أن يسيطرَ على كلِّ شيء
يكفيهِ أن اللهَ حاضر
لا يعودُ يريدُ أن يفهمَ كلَّ شيء
يكفيهِ أن اللهَ يعلم
لا يعودُ يريدُ أن يحملَ نفسَهُ دائمًا
يكفيهِ أن اللهَ معه
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
وكأن أعظمَ معجزةٍ في حياةِ الإنسان
ليست أن تتغيرَ الدنيا
بل أن يكتشفَ…
أنهُ لم يكنْ وحدهُ يومًا
في لحظاتٍ كثيرة من الحياة، يجد الإنسان نفسه وحيدًا؛ يجلس في غرفةٍ صامتة، أو يسير في طريقٍ خالٍ، أو يمرُّ بأزمةٍ لا يشعر بأحدٍ يفهمها. ومع ذلك، هناك شعورٌ خفيٌّ يبقى في أعماقه، يخبره أن الوحدة ليست كاملة، وأن قلبه ما زال متصلًا بشيءٍ أكبر من البشر. وهنا تتجلّى عظمة قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾. هذه الآية ليست مجرد كلمات تُقرأ، بل طمأنينةٌ تسكن القلب، وتمنح الإنسان شعورًا بالأمان حتى في أشد لحظات العزلة.
الإنسان بطبيعته يخاف الوحدة، لأن الروح تحتاج إلى من يؤنسها ويمنحها الاطمئنان. لكن حين يدرك المؤمن أن الله معه دائمًا، تتحول الوحدة إلى سكينة، والصمت إلى راحة، والخوف إلى يقين. فالله يعلم ما يخفيه القلب قبل أن ينطق به اللسان، ويرى الدموع التي لا يلاحظها أحد، ويسمع الدعاء حتى وإن لم يُقال بصوتٍ مرتفع. لذلك لا يشعر الإنسان المؤمن أنه مهجور، لأنه يعلم أن هناك ربًّا قريبًا منه في كل لحظة.
وفي كثيرٍ من الأحيان، يخذل الناس بعضهم بعضًا؛ قد يغيب الصديق، أو يبتعد القريب، أو لا يجد الإنسان من يسمعه. لكن معية الله تختلف عن كل شيء، فهي لا تنقطع ولا تتغير. عندما يضعف الإنسان يجد قوةً خفية تدفعه للاستمرار، وعندما تضيق به الدنيا يشعر بأن هناك بابًا مفتوحًا للرحمة والأمل. لهذا السبب يستطيع الإنسان أن ينهض بعد كل سقوط، وأن يبتسم بعد الحزن، لأنه في داخله يقين بأن الله لن يتركه وحده.
كما أن الشعور بمعية الله يمنح الإنسان سلامًا نفسيًا عظيمًا. فالكثير من الناس يملكون المال أو الشهرة أو العلاقات، ومع ذلك يشعرون بالفراغ والوحدة، لأن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من البشر بل من القرب من الله. وكلما اقترب الإنسان من ربه بالصلاة والدعاء والذكر، شعر أن قلبه امتلأ نورًا وراحةً، وكأن العالم كله أصبح أخفَّ على روحه.
وفي النهاية، قد يعيش الإنسان أوقاتًا يكون فيها وحده ظاهريًا، لكن قلبه لا يكون وحيدًا أبدًا ما دام مؤمنًا بأن الله معه. فمعية الله ليست مجرد فكرة، بل إحساسٌ يمنح الحياة معنى، ويجعل الإنسان أقوى من حزنه، وأكبر من خوفه، وأكثر قدرةً على مواجهة الأيام. ولذلك، فإن أعظم ما يطمئن القلب أن يعرف الإنسان أنه مهما ابتعد عنه الناس، يبقى الله أقرب إليه من كل شيء.