نعمة الاحساس بالشبع
مااجمل ان نستشعر ﻧعمة االشبع ونحمد الله بعد كل طعام
أحد عشر يومًا كاملة بلا طعام، لم يكن يُسمح لي إلا بأن أبلّل شفتيّ بجرعة ماء صغيرة من حين لآخر.وحين سألتُ الطبيب، مستعطفة، إلى متى سأظل على هذا الحال، أخبرني أنهم سيسمحون لي قريبًا بالسوائل الصافية؛ كعصير التفاح أو الأناناس. لم أكن أشعر بالعطش بسبب المحاليل الوريدية، لكنني كنت أشتاق إلى الأكل ذاته؛ إلى ذلك الإحساس العادي والبسيط الذي لم أتخيّل يومًا أنه قد يصبح أمنية بعيدة. لم أحسب أن الجوع قادر على أن يفتك بالإنسان، أن يحوّل لقمة صغيرة إلى حلم، وأن يجعل الجسد يشعر بذلك الخواء المرعب، كأن شيئًا داخله يلتهم نفسه ببطء. الجوع لا ينهش المعدة فقط، يعبث بالعقل أيضًا، يجعل الإنسان يفكّر بغريزة بدائية خالصة، ويعيد ترتيب العالم كله حول فكرة واحدة: الطعام.
حتى ذلك البسكويت المنسي في حقيبتي صار يطاردني، كنت أفكّر فيه كما لو أنه شيء بالغ البهجة والترف؛ متى سأستطيع أن أمضغه أخيرًا، وأن أشعر بفتاته يتكسّر بين أسناني؟

أتذكّر ممرضة أعطتني قطعة علكة سرًا، وقالت بشفقة: “امضغيها قليلًا فقط.” وأخرى جلستُ إليها ذات ليلة أبحث عن حديث يخفّف الوحشة، فعرضت عليّ شريحة كعك منزلي وكوب شاي، قبل أن تتذكّر فجأة أنني ممنوعة من الأكل والشرب. ظلّت تعتذر لي طويلًا، وكأنها اقترفت ذنبًا، بينما كنتُ أنا من يشعر بالحزن لأن قطعة كعك وكوب شاي قد يصبحان حلمًا بعيدًا إلى هذا الحد.

لم أعد قادرة على فتح حاسوبي المحمول، ولا على العمل على أي شيء، حتى تطبيقات الأفلام والمسلسلات التي كنت ألوذ بها دائمًا، هجرتها تمامًا. كان التلفاز المعلّق في غرفة المستشفى بلا صوت، ومع ذلك لم أحاول طوال سبعة عشر يومًا أن أطلب من أحد إصلاحه. لم أكن أفعل شيئًا تقريبًا سوى مشاهدة مقاطع إعداد الطعام ومتابعة صانعي محتوى الطعام، وانتظار مواعيد مسكّن الألم.
وحين سُمح لي بالطعام أخيرًا، بدأوا يُدخلونه إليّ كما يُطعَم طفل عمره ستة أشهر، يأكل للمرة الأولى، ببطء، وحذر، ووجبات صغيرة لا تكاد تُرى. صارت زيارة أخصائية التغذية إلى غرفتي كل يوم حدثًا سعيدًا أنتظره بلهفة تُشبه انتظار الأحبّة.

اكتشفت للمرة الأولى أن أبسط تفاصيل حياتي القديمة كانت نعمًا هائلة لم أنتبه إليها قط؛ أن أستطيع الاعتناء بأطفالي، أن آكل ما أشاء بلا خوف، أن أعيش دون أن أحسب الطعام أو أراقب الألم أو أقلق من المرض، أن أركض طوال اليوم بين عشرات المسؤوليات ثم أنام، ذلك النوم الهانئ الذي كنت أعدّه أمرًا عاديًا، بينما كان في الحقيقة نعمة تمنحني القدرة على النهوض من جديد كل صباح.
وختاما:
أنا أفضل حالًا الآن، لكنني منذ ذلك الحين، وأنا خائفة.
خائفة لأنني عدتُ إلى الحياة فعلًا، واستمتعت بها كما لو أنني لم أعشها من قبل. خائفة أن يتكرّر كل شيء مرة أخرى، وخائفة أكثر لأنني أدركت كم نحن عاجزون أمام الحياة، وكم أن أوهام السيطرة التي نعيش بها هشة. مهما خططنا، ومهما ظننّا، تبقى الحياة قادرة على أن تفلت من بين أيدينا في لحظة واحدة. وأظن أن خوفي الحقيقي ليس من الألم وحده، بل من أن يُسلب مني كل ما صرت أراه الآن بعين مختلفة.