الحجامة في ضوء السنة النبوية الشريفة  الفوائد والأحكام الشرعية

الحجامة في ضوء السنة النبوية الشريفة الفوائد والأحكام الشرعية

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

 الحجامة في ضوء السنة النبوية الشريفة
 الفوائد والأحكام الشرعية

 

image about الحجامة في ضوء السنة النبوية الشريفة  الفوائد والأحكام الشرعية

 

📌 نبذة مختصرة: 

الحجامة من أعرق الوسائل العلاجية التي أقرّها الإسلام وحثّ عليها النبي ﷺ، وهي إخراج الدم الفاسد من مواضع محددة في الجسم بقصد تحقيق الشفاء ودفع المرض. وقد جاءت النصوص الشرعية الصحيحة لتؤكد مشروعيتها وتبيّن آدابها وأوقاتها، فضلاً عن فوائدها الصحية الجمّة التي يُثبتها الطب المعاصر يوماً بعد يوم.

  • أولاً: تعريف الحجامة وأصلها الشرعي

الحجامة في اللغة مشتقة من الفعل «حجم» بمعنى المصّ والشفط، وفي الاصطلاح الطبي الشرعي هي: استخراج الدم الفاسد أو الراكد من طبقة الأدمة بواسطة كؤوس أو مشارط خاصة تُحدث ضغطاً سالباً يُتيح لهذا الدم الخروج من الجسم. وقد عُرفت الحجامة منذ آلاف السنين، غير أن الإسلام منحها بُعداً عقدياً وتعبدياً لم تحظَ به في غيره من الحضارات. ومن أبرز الأدلة على مشروعيتها ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: *«الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي»*. فجعل النبي ﷺ الحجامة من ثلاثة أصناف يُختزل فيها الشفاء، مما يدل على عظيم منزلتها في الطب النبوي.

  • ثانياً: توصية النبي ﷺ بالحجامة وبيان فضلها

لم يكتفِ النبي ﷺ بإقرار الحجامة، بل بالغ في التوصية بها والحثّ عليها في نصوص متعددة تكشف اهتمامه البالغ بصحة أمته. فقد روى أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: *«إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والفصد»*، وفي رواية أخرى: *«إن كان في شيء مما تتداوون به خيرٌ فالحجامة»*، وهذا تفضيل صريح لها على سائر وسائل العلاج المتاحة آنذاك. بل وصل الأمر إلى أن النبي ﷺ نبّه إلى أن الملائكة أوصته بها ليلة الإسراء، إذ روى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ﷺ قال: *«ما مررتُ بملأ من الملائكة ليلة أُسري بي إلا قالوا: يا محمد، مُرْ أمتك بالحجامة»*. وهذا يضفي على الحجامة طابعاً سامياً يُلزم المسلم بالالتفات إليها والأخذ بها.

  •  ثالثاً: أفضل الأوقات للاحتجام في ضوء الهدي النبوي

لم يترك النبي ﷺ أمر الحجامة مبهماً، بل أرشد إلى أوقات بعينها تكون فيها أكثر نفعاً وأجدى أثراً، وتلك من دلائل عموم رسالته ﷺ التي تشمل جوانب حياة الإنسان كافة. فقد روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: *«من احتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين، كانت شفاءً من كل داء»*، وهذه الأيام من الشهر القمري تتوافق فيها ذروة امتلاء الدم وحركته، مما يجعل الحجامة فيها أشد تأثيراً وأبلغ فائدة. كما ورد أن النبي ﷺ كان يحتجم أحياناً في الرأس وأحياناً في الكاهل، وكان يحثّ على الاحتجام على الريق قبل الطعام. وقد جاء في رواية ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ: *«احتجم وأعطى الحجام أجره»*، مما يدل على أن ممارسة الحجامة مهنةٌ مشروعة وأجر الحجام حلال طيب.

image about الحجامة في ضوء السنة النبوية الشريفة  الفوائد والأحكام الشرعية
  • رابعاً: الفوائد الصحية للحجامة في ضوء النص والعلم

الحجامة لا تقتصر فوائدها على ما أخبر به النبي ﷺ من الشفاء العام، بل إن الطب الحديث بدأ يكتشف آفاقاً واسعة لهذا العلاج الرباني المُلهَم. ومن أبرز الفوائد التي تجمع بين النص الشرعي والمعطى الطبي:

**• تنقية الدم وإزالة السموم:** الحجامة تُخرج الدم الراكد المحمّل بالمواد الضارة والمعادن الثقيلة، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بوصفها شفاءً. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الدم المستخرج يحتوي على نسب مرتفعة من الكريات الحمراء القديمة والمواد المؤكسدة.

**• تخفيف الآلام المزمنة:** وجد الباحثون أن الحجامة تُحفّز إفراز مسكنات الألم الطبيعية كالأندروفينات، مما يُفسر قدرتها على تخفيف آلام الظهر والرقبة والصداع النصفي. وقد نصّ الفقهاء على جواز اللجوء إليها لدفع الضرر وتحقيق الشفاء.

**• تقوية الجهاز المناعي:** تحفّز الحجامة الجهاز المناعي على إنتاج خلايا دفاعية جديدة وتنشيط الدورة الدموية والليمفاوية، مما يُعزز قدرة الجسم على مقاومة الأمراض والتعافي من الإصابات.

**• علاج أمراض الجلد والروماتيزم:** وجد الطب الحديث أن الحجامة مفيدة في علاج أمراض جلدية كالصدفية والأكزيما، وأمراض مفصلية كالروماتيزم، وهو ما تدعمه فكرة إخراج الدم الفاسد التي أرساها الطب النبوي.

  • خامساً: الحجامة وتوافقها مع مقاصد الشريعة الإسلامية

يقوم الفقه الإسلامي على جملة من المقاصد الكبرى التي تُعرف بـ«الضرورات الخمس»، وفي مقدمتها: حفظ النفس. والحجامة من أبلغ الوسائل العملية في تحقيق هذا المقصد الشرعي النبيل. فالشريعة الإسلامية لم تُهمل جسد الإنسان وصحته، بل جعلت العناية به واجباً دينياً. قال تعالى: **﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾** [البقرة: 195]. ومن ترك التداوي المشروع مع قدرته عليه وحاجته إليه فقد أعرض عن سبيل من سُبُل حفظ النفس. وقد قرر الفقهاء قاعدة *«لا ضرر ولا ضرار»* المستمدة من الحديث النبوي الصحيح، والتي تُلزم المسلم بدفع الأذى عن نفسه بكل الوسائل المشروعة ومنها الحجامة. كما أن الحجامة تتوافق مع مبدأ الوسطية في الإسلام؛ فهي لا تتطلب تكاليف باهظة ولا أدوية مركّبة، بل هي وسيلة ميسورة في متناول الجميع. وقد جاء في الحديث الشريف: *«إن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً»* رواه البخاري، والحجامة من أعظم هذه الأدوية الربانية.

  • سادساً: آداب الحجامة وضوابطها الشرعية

لما كانت الحجامة من الشعائر الصحية التي أقرّها الإسلام، اعتنى العلماء ببيان آدابها وضوابطها الشرعية التي تكفل تحقيق منافعها وتجنّب مضارّها:

**١. النية والاحتساب:** ينبغي للمسلم أن يستحضر نية التداوي المشروع والأخذ بالسنة النبوية، ليجمع بذلك بين الأجر الديني والنفع الدنيوي، إذ *«إنما الأعمال بالنيات»* كما أخبر النبي ﷺ.

**٢. اختيار الحجّام الماهر الثقة:** اشترط الفقهاء أن يكون الحجّام متقناً لعمله، إذ إن الجهل بها قد يُفضي إلى ضرر. وقد كان النبي ﷺ يحتجم عند حجّامين موثوقين معروفين.

**٣. مراعاة الأوقات المناسبة:** وهي الأيام الفردية من منتصف الشهر القمري كما نص عليه الحديث، وكذلك تُفضَّل على الريق، وتُتجنب الحجامة في حال الضعف الشديد أو بعد وجبة دسمة.

**٤. الطهارة وعدم الإضرار:** يجب مراعاة النظافة والتعقيم التام في الأدوات المستخدمة، فإن الشريعة تأبى الإضرار في التداوي كما تأباه في غيره، وقاعدة «درء الضرر» راسخة في الفقه الإسلامي.

**٥. الالتزام بالمواضع السنّية:** ثبت أن النبي ﷺ احتجم في الكاهل ووسط الرأس والأخدعين وغيرها، وهي مواضع وافق الطب الحديث على فاعليتها واتصالها بأعصاب ومسارات دموية مؤثرة.

  •  خاتمة: الحجامة بين الإيمان والعلم

الحجامة ليست مجرد ممارسة علاجية موروثة، بل هي سنة نبوية مؤصّلة تتضافر في إثباتها نصوص الوحي وشواهد العقل ومكتشفات الطب. ويتجلى في ذلك إعجاز النبوة التي أرشدت إلى ما لم يكن العلم يُدركه وقتذاك. فعلى المسلم الواعي أن يجمع بين الثقة بالسنة النبوية والاستفادة من مستجدات الطب الحديث في تطبيق الحجامة بأفضل صورة وأسلم طريقة. وفي ختام المطاف نذكّر بقول النبي ﷺ: *«تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً، غير داء واحد: الهرم»* رواه أبو داود وغيره. والحجامة في طليعة هذه الأدوية الربانية التي يجمع الإسلام في إقرارها بين حكمة الوحي ورحمة الخالق بعباده، ونسأل الله أن يرزقنا الصحة والعافية والاتباع لسنة نبيه ﷺ.


*والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين*

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت تقييم 4.95 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

151

متابعهم

506

متابعهم

3360

مقالات مشابة
-