بين الخوف و الرجاء تحلق روح المؤمن فى السماء
فضيلة الخوف من الله تعالى وأثره في صلاح القلوب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه جل وعلا أنه قال: (وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين، إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة) أخرجه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان وصححه الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد البزار والشيخ الألباني في السلسلة.
الخوف من الله: شرط الإيمان ومنزلة عظيمة
أمر الله عباده بالخوف منه، وجعله شرطاً للإيمان به سبحانه، فقال تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) [آل عمران: 175]. ومدح سبحانه أهل الخوف والخشية في كتابه العزيز، وأثنى عليهم بقوله: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) إلى أن قال: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) [المؤمنون: 57-61].
وبين الله سبحانه ما أعده للخائفين في الآخرة من النعيم المقيم والجزاء الكريم، فقال: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: 46]. وهذا الحديث العظيم يبين منزلة الخوف من الله وأهميتها، وأنها من أجل المنازل وأنفعها للعبد، ومن أعظم أسباب الأمن يوم الفزع الأكبر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
الخوف سوط يسوق النفس إلى الطاعة
الخوف هو السوط الإلهي الذي يسوق النفس إلى طاعة الله والدار الآخرة، وبدونه تركن النفس إلى الدعة والأمن وترك العمل، وتتكل على عفو الله ورحمته دون أن تبذل الجهد في التقرب إليه. فإن الآمن لا يعمل، ولا يمكن أن يجتهد في العبادة إلا من أقلقه الخوف وأزعجه، ولهذا قال من قال من السلف: "الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه، وما فارق الخوف قلباً إلا خرب". وقال آخرون: "الناس على الطريق ما لم يزل الخوف عنهم، فإذا زال الخوف ضلوا الطريق".
فالخوف المحمود هو الذي يحمل العبد على الطاعة، ويدفعه إلى التوبة، ويقيمه على جادة الصراط المستقيم، ويمنعه من التمادي في المعاصي والذنوب، ويرغبه فيما عند الله من النعيم المقيم في جنات النعيم.
التوازن بين المحبة والخوف والرجاء
ينبغي للعبد المؤمن أن يجمع بين ثلاثة أمور عظيمة: وهي المحبة والخوف والرجاء، فإن القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فقد أصبح عرضة لكل صائد وكاسر.
والاقتصار على واحد من هذه الأمور الثلاثة دون الباقي انحراف عن الجادة، وخلل في السلوك، فعبادة الله بالخوف وحده تورث اليأس والقنوط وإساءة الظن بالله جل وعلا، وهو مسلك الخوارج. وعبادته بالرجاء وحده توقع في الغرور والأمن من مكر الله، وهو مسلك المرجئة. وعبادته بالمحبة وحدها طريق إلى الزندقة والخروج من التكاليف الشرعية، وهو مسلك غلاة الصوفية الذين يقولون: لا نعبد الله طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، ولكن حباً في ذاته.
وقال السلف قولتهم المشهورة: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري - أي خارجي - ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف والحب والرجاء فهو مؤمن موحد".

إغلاب جانب الخوف في الصحة والرجاء عند الخروج
ولكن السلف استحبوا أن يُغلَّب في حال الصحة جانب الخوف على جانب الرجاء، لأن العبد لا يزال في ميدان العمل، وهو بحاجة إلى ما يسوقه إلى الطاعة والعبادة والاجتهاد في القربات. وأما في حال الضعف والمرض والخروج من الدنيا، فإن على العبد أن يقوي جانب الرجاء، لأن العمل قد أوشك على الانتهاء، وحتى يموت وهو يحسن الظن بالله، وقد سبق الحديث عن مسألة الرجاء وحسن الظن بالله عند الكلام على حديث (أنا عند ظن عبدي بي) متفق عليه.
الخوف طريق الفلاح في الدنيا والآخرة
فالخوف من الله تعالى هو الطريق إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، وهو الذي يزكي النفس ويطهر القلب ويقوي الإرادة على فعل الخيرات وترك المنكرات. ومن خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة من كل خوف وفزع، وجعله من الآمنين المطمئنين في جنات النعيم.
نسأل الله أن يرزقنا الخوف منه على الوجه الذي يرضيه، وأن يجمع لنا بين الخوف والرجاء والمحبة، وأن يثبتنا على الطاعة حتى نلقاه وهو راض عنا، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين
.