تفسير سورة الأعلي

تفسير سورة الأعلى
افتتحت سورة الأعلى بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وهو أمر من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ولجميع المؤمنين بتنزيه الله وتمجيده، والإقرار بكماله وعظمته، فالله سبحانه هو الأعلى في ذاته وصفاته وقدرته وسلطانه، ولا يشبهه شيء من خلقه.
ثم يقول سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾، أي أن الله خلق جميع المخلوقات بإتقان، وأعطى كل مخلوق صورته المناسبة ووظيفته التي يؤديها في هذا الكون، فلا يوجد خلق عبثًا أو بلا حكمة، بل كل شيء يسير وفق نظام دقيق يدل على قدرة الخالق سبحانه.
ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، أي أن الله قدّر لكل مخلوق رزقه وأجله وصفاته، ثم هداه إلى ما يصلحه. فالإنسان هداه بالعقل والوحي، والحيوان هداه بالغريزة، وكل ذلك دليل على رحمة الله وعلمه الواسع.
ثم يلفت سبحانه النظر إلى نعمة النبات فيقول: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، فالله يخرج النبات أخضر يانعًا، ثم يجعله بعد فترة يابسًا أسود اللون، وفي ذلك تذكير بأن الدنيا مهما ازدهرت فإنها إلى زوال، وأن البقاء لله وحده.
بعد ذلك يطمئن الله نبيه ﷺ بقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾، أي أن الله تكفل بحفظ القرآن في صدر نبيه، فلا ينسى منه شيئًا إلا ما شاء الله بحكمته. وهذه الآية من دلائل حفظ الله لوحيه، ومن أسباب اطمئنان النبي ﷺ أثناء نزول القرآن.
ثم يقول سبحانه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾، أي أن الله يعلم كل شيء، سواء ما أظهره الناس أو أخفوه في صدورهم، فلا يخفى عليه سر ولا علانية.
ويأتي بعد ذلك وعد كريم للنبي ﷺ بقوله: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾، أي أن الله ييسر له طريق الخير، ويعينه على أداء الرسالة، وفي هذه الآية بشارة لكل مؤمن بأن من توكل على الله وأخلص له أعانه ويسر له أموره.
ثم يأمر الله نبيه بالدعوة والتذكير فيقول: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، فوظيفة الرسل هي البلاغ والتذكير، أما الهداية فهي بيد الله تعالى. ثم يبين أثر الدعوة على الناس، فيقول: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾، فصاحب القلب الحي هو الذي ينتفع بالموعظة، بينما ﴿يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ الذي أعرض عن الحق واستكبر.
ويصف الله حال الأشقياء بقوله: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، أي أنهم يعذبون في جهنم عذابًا شديدًا، فلا يموتون فيستريحوا، ولا يحيون حياةً هنيئة، وهذا من أشد أنواع العقوبة.
ثم يبين سبحانه طريق النجاة والفلاح فيقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، أي فاز وسعد من طهر نفسه من الشرك والذنوب، وأكثر من ذكر الله، وحافظ على الصلاة، فهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وسبب رئيس في تزكية النفس.
ثم يوضح سبب انحراف كثير من الناس بقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، أي أن بعض الناس يقدمون متاع الدنيا وشهواتها على طاعة الله، مع أن الدنيا قصيرة وفانية.
ولهذا يأتي البيان الإلهي الحاسم: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، فالآخرة أفضل من الدنيا في نعيمها، وأبقى لأنها لا تزول ولا تنتهي، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يجعلها هدفه الأكبر، مع السعي في الدنيا بما يرضي الله.
وتختتم السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، أي أن أصول الإيمان والدعوة إلى عبادة الله، وتفضيل الآخرة على الدنيا، هي مبادئ ثابتة جاءت بها جميع الرسالات السماوية منذ إبراهيم وموسى عليهما السلام، مما يدل على وحدة رسالة الأنبياء في الدعوة إلى توحيد الله والعمل الصالح.
ومن أهم الدروس المستفادة من السورة: تعظيم الله وتنزيهه، والتفكر في بديع خلقه، والثقة بحفظ الله لدينه، والحرص على تزكية النفس، والمحافظة على الصلاة، وعدم الاغترار بزينة الدنيا، والاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة، فالفلاح الحقيقي ليس بكثرة المال أو الجاه، وإنما بالإيمان والعمل الصالح.