رسالة سورة المطففين

سورة المطففين عندما تظلم الناس في القليل وتنسى أن كل شيء مكتوب
هل يمكن أن يكون شيء بسيط جدًا سببًا في خسارة كبيرة؟
قد يظن الإنسان أن إنقاص جرام من ميزان، أو تأخير حق شخص، أو أخذ شيء ليس من حقه، أمر بسيط لا يستحق كل هذا الاهتمام.
لكن سورة المطففين تبدأ برسالة شديدة الوضوح:
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾
لأن التطفيف ليس مجرد مشكلة في الميزان، بل هو أن تريد حقك كاملًا، بينما عندما يأتي دور غيرك تعطيه أقل مما يستحق.
وهذا المعنى موجود في حياتنا بأشكال كثيرة.
من هم المطففون؟
يقول الله تعالى:
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾
الصورة واضحة جدًا.
إذا اشترى لنفسه، يريد حقه كاملًا.
لكن إذا باع لغيره، ينقص من حقه.
وهنا المشكلة ليست في مقدار النقص فقط، وإنما في الظلم.
فالإنسان يعرف أنه يأخذ أكثر مما يعطي، ومع ذلك يستمر.
التطفيف قد يكون في الميزان، لكنه قد يكون أيضًا في الكلام، والعمل، والوعود، والحقوق، وحتى المشاعر.
لماذا يفعل الإنسان ذلك؟
تقول السورة:
﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية.
الإنسان الذي يتلاعب بحقوق الناس وكأن شيئًا لن يحدث، نسي أنه سيقف أمام الله.
لو تذكر الإنسان دائمًا أن هناك يومًا سيحاسب فيه على كل شيء، فسوف يتغير الكثير من تصرفاته.
كتاب الفجار وكتاب الأبرار
ثم تنتقل السورة إلى الحديث عن الكتب التي كُتبت فيها الأعمال.
يقول الله:
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾
ثم يقول عن الأبرار:
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾
السورة تذكرنا أن الحياة ليست فوضى، وأن أعمال الإنسان ليست بلا نتيجة.
هناك حساب.
وهناك سجل للأعمال.
وهذا يعطي معنى مختلفًا جدًا لكل تصرف نفعله في حياتنا.
لا تظن أن الذنب الصغير لا يُرى
من أخطر الأفكار التي يمكن أن يعيش بها الإنسان:
"كل الناس بتعمل كده."
“مش هتفرق.”
لكن السورة تعلمنا ألا نستهين بالظلم، حتى لو كان صغيرًا.
فالمشكلة ليست دائمًا في حجم الشيء، وإنما في استهانة الإنسان بحقوق الآخرين.
ولهذا تأتي السورة من البداية بقوة:
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾
وكأنها تقول: لا تستهين بحقوق الناس.
المفاجأة الذين سخروا من المؤمنين
ثم تنتقل السورة إلى مشهد آخر مؤثر.
تتحدث عن الذين كانوا يسخرون من المؤمنين في الدنيا:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾
كانوا يرون المؤمنين أقل منهم، ويسخرون منهم، ويظنون أن ما هم عليه من الدنيا دليل على أنهم أفضل.
تتغير الصورة تمامًا.
يقول الله:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾
وهذا درس مهم جدًا:
لا تجعل نظرة الناس إليك هي المقياس الحقيقي لنجاحك.
لا تجعل الدنيا تخدعك
السورة تكشف لنا خطأ الإنسان عندما يقيس كل شيء بالمظاهر.
قد ترى شخصًا يملك الكثير فتظنه سعيدًا.
وقد ترى شخصًا بسيطًا فتظنه أقل شأنًا.
لكن الحقيقة التي ستظهر يوم القيامة مختلفة تمامًا.
القيمة الحقيقية ليست في كمية ما تملك، وإنما في ماذا فعلت بما أعطاك الله؟
في النهاية راجع ميزانك
سورة المطففين تضع أمامنا ميزانًا من نوع آخر.
ليس ميزانًا نضع فيه السلع، بل ميزانًا نراجع به أنفسنا.
لا تأخذ أكثر مما تستحق، ولا تعطِ أقل مما يجب، ولا تظن أن شيئًا يضيع؛ لأن يوم الحساب سيأتي، وكل شيء سيكون له حساب.
فاجعل ميزانك في الدنيا مستقيمًا، قبل أن توضع أعمالك في الميزان يوم لا ينفع الندم.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق