رسالة سورة التكوير

سورة التكوير عندما تنقلب الدنيا ويظهر كل شيء على حقيقته
تخيل أن تستيقظ يومًا فلا تجد الشمس كما تعرفها، ولا النجوم في أماكنها، ولا الجبال ثابتة، ولا البحار هادئة، وكل شيء كنت تظنه ثابتًا وآمنًا قد بدأ يتغير!
هذا بالضبط هو الجو الذي تأخذنا إليه سورة التكوير.
سورة قصيرة في عدد آياتها، لكنها قوية جدًا في تأثيرها؛ لأنها تجعل الإنسان يتوقف لحظة ويسأل نفسه: ماذا أعددت لليوم الذي ستتغير فيه كل قواعد الدنيا؟
عندما تنتهي الدنيا التي نعرفها
تبدأ السورة بمشهد يهز القلب:
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾
الشمس التي نراها كل يوم، والنجوم التي تملأ السماء، والجبال التي تبدو لنا ثابتة لا تتحرك… كل ذلك سيتغير.
ثم يقول الله:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾
حتى الأشياء التي كانت غالية جدًا على أصحابها ستصبح بلا قيمة في ذلك اليوم.
لأن الإنسان سيعرف أن هناك شيئًا أعظم من الدنيا كلها: الوقوف بين يدي الله.
يوم القيامة حتى أقرب الناس
ثم تستمر السورة في وصف ذلك اليوم:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾
وهذه الآية تذكر جريمة بشعة كانت موجودة في الجاهلية، وهي دفن البنات وهن أحياء خوفًا من الفقر أو العار.
واللافت أن القرآن لا يقول: لماذا قتلت؟
بل يقول:
﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾
وكأن السؤال يحمل في داخله إدانة كاملة للجريمة.
الطفلة لم تفعل شيئًا.لم تكن مذنبة.
كل إنسان سيعرف ماذا قدم
بعد هذه المشاهد الرهيبة يقول الله:
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾
وهذه من أكثر آيات السورة التي تجعل الإنسان يراجع نفسه.
كل واحد منا يحمل معه شيئًا إلى الآخرة.
صلاة صليتها، صدقة أخفيتها، كلمة طيبة قلتها، ظلم ارتكبته، شخص سامحته، ذنب أصررت عليه، خير فعلته ولم يعرف به أحد.
كل شيء محفوظ.
القرآن ليس كلامًا عاديًا
بعد مشاهد القيامة تنتقل السورة إلى الحديث عن القرآن والوحي:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾
ثم يأتي التأكيد العظيم:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾
أي أن هذا القرآن وحي من الله، بلّغه جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ.
ثم يقول الله:
﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾
فالنبي ﷺ ليس كما كان المشركون يزعمون.
ثم تأتي شهادة أخرى:
﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾
وهكذا ترد السورة على المشركين وتثبت حقيقة الرسالة.
الطريق أمامك لكن هل ستختار؟
من أجمل ما تختم به السورة قول الله تعالى:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
لاحظ كلمة ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾.
الطريق واضح.
لكن الإنسان لديه اختيار ومسؤولية، ومع ذلك فكل شيء داخل مشيئة الله وقدره.
ماذا نتعلم من سورة التكوير؟
سورة التكوير تجعلنا نرى الدنيا بحجمها الحقيقي.
الدنيا ليست النهاية.
والقوة ليست دائمة.
والمال ليس هو الأمان.
ولهذا فإن أجمل رسالة يمكن أن نخرج بها من سورة التكوير هي:
لا تنتظر انقلاب الدنيا حتى تعرف قيمتها، ولا تنتظر يوم القيامة حتى تعرف قيمة العمل.
ففي النهاية، سيأتي يوم ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾، وساعتها لن يكون السؤال: ماذا كنت أتمنى أن أفعل؟
بل سيكون السؤال: ماذا أحضرت معك؟
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق