رسالة سورة عبس

سورة عبس درسٌ في قيمة الإنسان الحقيقي عند الله
أحيانًا الإنسان يهتم جدًا بنظرة الناس إليه، ويظن أن قيمة الشخص تُقاس بمكانته، أو ماله، أو نفوذه، أو الأشخاص الذين يجلس معهم… لكن سورة عبس تأتي لتصحح هذا الميزان بطريقة قوية جدًا.
تبدأ السورة بموقف تربوي عظيم، ثم تأخذك في رحلة من الحديث عن الإنسان، إلى نعم الله عليه، ثم إلى مشهد من أعظم مشاهد يوم القيامة.
البداية درس من السماء
يقول الله تعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾
والقصة أن رجلًا أعمى جاء إلى النبي ﷺ يسأله ويتعلم منه، بينما كان النبي ﷺ يتحدث مع بعض كبار قريش، وكان يأمل أن يستجيبوا للإسلام
الرجل الأعمى الذي نزلت في شأنه بداية سورة عبس هو عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه.
كان من الصحابة، وكان أعمى، وقد جاء إلى النبي ﷺ يسأله ويتعلم منه.
كان عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه من أوائل المسلمين، وهاجر إلى المدينة، وكان من مؤذني النبي ﷺ مع بلال بن رباح رضي الله عنه.
كان النبي ﷺ بعد ذلك يستخلفه على المدينة في بعض غزواته.
ثم يقول الله:
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾
يعني أنت لا تعرف قيمة الشخص الحقيقية عند الله.
قد ترى إنسانًا بسيطًا لا يملك مالًا ولا شهرة ولا منصبًا، لكنه عند الله أعظم بكثير ممن يملك كل هذه الأشياء.
لا تحكم على الناس من شكلهم أو مكانتهم الاجتماعية، فقد يكون أكثرهم تواضعًا أقربهم إلى الله.
القرآن لا يجامل أحدًا
ومن أجمل ما في سورة عبس أن القرآن يربي حتى أفضل البشر ﷺ.
وهذا يعلمنا أن الحق أكبر من الأشخاص، وأن الإنسان مهما علا قدره، يظل محتاجًا إلى التوجيه والتصحيح.
الإنسان من أين جاء؟
بعد هذا الموقف تنتقل السورة إلى تذكير الإنسان بأصله:
﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾
تأمل البداية…
الإنسان الذي قد يتكبر ويتجبر ويظن أنه فوق غيره، أصله نطفة.
ثم الله خلقه، وقدّره، ويسّر له طريق الحياة، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره.
السورة تعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي، وتذكره بأن كل ما لديه هو فضل من الله.
نعم كثيرة لكن هل نشكر؟
يقول الله تعالى:
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾
ثم يذكّرنا بالماء، والحبوب، والعنب، والزيتون، والنخيل، والحدائق، وغيرها من النعم.
وأحيانًا الإنسان يتعود على النعمة لدرجة أنه لا يشعر بها.
لكن السورة تقول له: انظر وتأمل.
ثم تأتي اللحظة التي لا يستطيع أحد الهروب منها
بعد الحديث عن الحياة ونعمها، تنتقل السورة فجأة إلى مشهد القيامة:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾
الصاخة.. ذلك الصوت الهائل الذي يفزع الخلق.
ويصف الله حال الإنسان يومها:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾
تخيل المشهد.
الأشخاص الذين كنت مستعدًا أن تضحي من أجلهم في الدنيا، قد تفر منهم يوم القيامة؛ لأن كل إنسان سيكون مشغولًا بنفسه.
ثم يقول الله:
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
وهنا تفهم أن الفرصة التي بين يديك الآن لا ينبغي أن تضيع.
لكن في يوم القيامة، فالأمر مختلف تمامًا.
النهاية وجهان ونتيجتان
تختم السورة بمشهد مؤثر:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾
وجوه مشرقة فرحة، ووجوه أخرى عليها الذل والحزن.
سورة عبس ليست فقط عن موقف حدث في الماضي، بل عن طريقة تفكيرنا نحن.
فالدنيا مهما طالت قصيرة، واللقاء قادم، وكل إنسان سيقف وحده أمام ما قدم.
فاجعل لك من الآن عملًا تفرح به يوم ترى وجوهًا تضحك مستبشرة.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق