تفسير سورة العصر وسورة الهمزة وسورة الفيل
تفسير سورة العصر وسورة الهمزة وسورة الفيل
تفسير سورة العصر

افتتح الله سبحانه وتعالى السورة بقوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، وهو قسم من الله تعالى بالعصر، والمقصود به الزمن كله أو وقت العصر على وجه الخصوص. والله سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته لعظيم شأنها، بينما لا يجوز للمخلوق أن يقسم إلا بالله. والقسم بالزمن يدل على أهمية الوقت، وأنه رأس مال الإنسان الحقيقي، فمن استغله في الطاعة والعمل الصالح سعد، ومن ضيعه ندم يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، أي أن الأصل في الإنسان أنه واقع في الخسارة، لأن عمره ينقص مع مرور الأيام، وكل يوم يمضي لا يعود مرة أخرى. والخسارة هنا ليست خسارة المال فقط، بل خسارة الدنيا والآخرة إذا لم يستثمر الإنسان حياته فيما ينفعه.
بعد ذلك استثنى الله تعالى طائفة معينة فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والإيمان هو التصديق الجازم بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، مع العمل بما يقتضيه هذا الإيمان. فالإيمان الصحيح يثمر أخلاقًا وأعمالًا صالحة.
ثم قال: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فالإيمان وحده لا يكفي دون عمل، والعمل الصالح هو كل عمل يوافق شرع الله ويكون خالصًا لله تعالى. ومن الأعمال الصالحة الصلاة والزكاة والصيام وقراءة القرآن وبر الوالدين والإحسان إلى الناس.
ثم قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، أي أوصى بعضهم بعضًا بالحق، والحق يشمل الإيمان بالله والتمسك بالقرآن والسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالمؤمن لا يهتم بنفسه فقط، بل يدعو غيره إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة.
وأخيرًا قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، لأن طريق الحق يحتاج إلى صبر، فالمسلم يصبر على طاعة الله، ويصبر عن المعصية، ويصبر على أقدار الله المؤلمة. والصبر سبب للفوز في الدنيا والآخرة.
وتعلمنا السورة أن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بأربعة أمور: الإيمان، والعمل الصالح، والدعوة إلى الحق، والصبر على ذلك. كما تؤكد أن الوقت نعمة عظيمة ينبغي استغلالها فيما يرضي الله، وأن الإنسان مسؤول عن عمره فيما أفناه.
إن سورة العصر تعد دستورًا مختصرًا للحياة الإسلامية؛ فهي تضع منهجًا متكاملاً للنجاة، وتذكر المسلم بأن العمر قصير، وأن الأيام تمضي سريعًا، وأن الفوز الحقيقي يكون بالتمسك بالإيمان والعمل الصالح، وليس بجمع المال أو الشهرة فقط.
تفسير سورة الهمزة

بدأت السورة بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، والويل كلمة تدل على شدة العذاب والهلاك. والهمزة هو الذي يعيب الناس ويطعن فيهم في غيابهم، واللمزة هو الذي يسخر منهم أو يعيبهم في وجوههم أو بالإشارات والحركات. وقد نهى الإسلام عن هذه الأخلاق لأنها تزرع الكراهية وتفسد العلاقات بين الناس.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾، أي انشغل بجمع المال وإحصائه باستمرار، وجعل همه الأكبر الدنيا، دون أن يؤدي حق الله فيه من زكاة أو صدقة أو إحسان.
ثم قال: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾، أي يظن أن المال سيمنحه الخلود أو يحميه من الموت والعذاب، وهذا اعتقاد باطل، فالموت لا يفرق بين غني وفقير.
ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾، أي ليس الأمر كما يظن، بل سيطرح في نار عظيمة تسمى الحطمة، لأنها تحطم كل شيء.
ثم وصف الله هذه النار بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾، أي أنها نار عظيمة أوقدها الله بنفسه، فهي أشد من أي نار في الدنيا.
وقال: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾، أي يصل أثرها إلى القلوب، لأن القلب هو موضع العقيدة والنية، فيكون العذاب شديدًا.
ثم قال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾، أي مغلقة عليهم، فلا يستطيعون الخروج منها.
وختم بقوله: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، أي أنهم يعذبون في نار مغلقة بأعمدة عظيمة، مما يزيد من شدة العذاب.
وتعلمنا السورة خطورة الغيبة والسخرية والتنمر واحتقار الآخرين، كما تبين أن المال نعمة إذا استعمل في الخير، لكنه يصبح سببًا للهلاك إذا شغل صاحبه عن طاعة الله أو دفعه إلى الكبر والبخل. وتحث المسلم على التواضع، وحسن الخلق، واحترام الناس، وإنفاق المال فيما يرضي الله.
تفسير سورة الفيل

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، يخاطب الله نبيه ﷺ ومن خلاله الأمة، مذكرًا بحادثة عظيمة وقعت قبل مولده بقليل، وهي محاولة أبرهة هدم الكعبة. ومعنى "ألم تر" أي ألم تعلم علمًا يقينيًا.
كان أبرهة قد بنى كنيسة عظيمة في اليمن، وأراد أن يصرف العرب عن الكعبة إليها، فلما لم يتحقق له ذلك، قرر هدم الكعبة، وسار بجيش كبير يصحبه فيل ضخم، وهو أمر لم يكن مألوفًا عند العرب.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾، أي جعل الله خطتهم باطلة وفاشلة، فلم يحققوا ما أرادوا، رغم قوتهم وعددهم.
ثم قال: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾، أي جماعات متتابعة من الطيور جاءت بأمر الله، وليس المقصود نوعًا معينًا من الطيور، وإنما مجموعات كثيرة.
وقال: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾، أي كانت تحمل حجارة صغيرة من طين متحجر، فأصابتهم بإذن الله، فهلكوا جميعًا.
ثم ختم بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، أي صاروا كأوراق الزرع اليابسة التي أكلتها الدواب ثم ألقتها، في صورة تدل على الهلاك الكامل والذل بعد القوة.
وتؤكد السورة أن الله سبحانه هو الحافظ لبيته الحرام، وأنه قادر على نصر دينه بوسائل لا تخطر على بال البشر. كما تعلمنا أن القوة الحقيقية ليست في كثرة الجيوش أو الأسلحة، وإنما في تأييد الله تعالى. وفيها درس للمؤمن بأن يتوكل على الله، ويثق في نصره، وأن الظالم مهما بلغت قوته فلن يغلب إرادة الله.
كما تشير السورة إلى أن حادثة الفيل كانت تمهيدًا لبعثة النبي محمد ﷺ، إذ حفظ الله الكعبة لتظل قبلة المسلمين ومركز التوحيد. وتدعو السورة إلى الاعتبار بما جرى للأمم السابقة، وأن الكبر والطغيان تكون عاقبتهما الخسران، بينما يكون النصر لأهل الحق بإذن الله.