عندما ترى العين الحقيقة… لكن القلب لا يهتدي

عندما ترى العين الحقيقة… لكن القلب لا يهتدي

Rating 0 out of 5.
0 reviews

                                                     

 

image about عندما ترى العين الحقيقة… لكن القلب لا يهتدي

 

  أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون؟

                                                   عندما ترى العين الحقيقة… لكن القلب لا يهتدي

 

الآية الكريمة

قال الله تعالى:

﴿وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ۝٤٣ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٤٤﴾
[يونس: 43-44]

والسؤال القرآني هنا ليس سؤالًا ينتظر جوابًا، وإنما هو استفهام إنكاري؛ أي: يا محمد، إنك لا تستطيع أن تخلق البصيرة في قلب من أصر على العمى، فالهداية بهذا المعنى ليست بيد البشر.

أولًا: ما معنى قوله تعالى: «وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ»؟

المقصود أن بعض الكافرين كانوا يرون النبي ﷺ بأعينهم، ويسمعون كلامه، ويشاهدون أخلاقه ومعجزاته ودلائل صدقه، ولكن تلك الرؤية لم توصلهم إلى الإيمان.

فالإنسان قد يرى بعينه، لكنه لا يرى بقلبه.

وهذه هي القضية الأساسية في الآية: ليست المشكلة دائمًا في غياب الدليل، فقد يكون الدليل أمام الإنسان واضحًا، لكنه لا ينتفع به إذا تعطلت بصيرته.

قال ابن كثير في تفسيره إن منهم من كان ينظر إلى النبي ﷺ وإلى ما أعطاه الله من السمت الحسن والخلق العظيم والدلالة الظاهرة على نبوته، ومع ذلك لم يحصل له من الهداية ما حصل للمؤمنين.

ثانيًا: ما المقصود بـ «أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ»؟

ليس المقصود بالضرورة العمى الحسي الذي يصيب العين، وإنما المراد هنا عمى البصيرة.

فالله سبحانه يشبه حال هؤلاء الذين يرون النبي ﷺ ولا يؤمنون بحال الأعمى الذي لا يستطيع أن يرى الطريق.

قال الإمام الطبري: إنهم كانوا يرون دلائل النبوة وحججها، لكنهم لا يهتدون، وأن النبي ﷺ لا يستطيع أن يجعل لهم بصيرة يهتدون بها، لأن الهداية بهذا المعنى بيد الله تعالى.

وقال البغوي في تفسيره إن المراد بالعمي هنا عمى القلب، فالإنسان قد تكون له عينان سليمتان، ولكنه لا يبصر الحق ببصيرته.

ثالثًا: الفرق بين هداية الدلالة وهداية التوفيق

من أهم المعاني التي ينبغي فهمها هنا أن الهداية نوعان:

هداية الدلالة والإرشاد:
وهي أن تدل الإنسان على الخير، وتشرح له الحق، وتبين له الطريق.

وهذه قام بها الأنبياء والدعاة والعلماء.

قال تعالى:

﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
[الشورى: 52].

أما هداية التوفيق، أي أن ينفتح القلب للحق ويقبله ويعمل به، فهذه بيد الله سبحانه.

قال تعالى:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾
[القصص: 56].

وقد نزلت هذه الآية في سياق حزن النبي ﷺ وحرصه على هداية من أحبهم، فبيّن الله له أن هداية القلوب ليست إليه.

وجاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لعمه أبي طالب في آخر حياته: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، ثم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
وهذا الحديث من أوضح الأدلة على أن الرسول ﷺ كان يملك البلاغ والدعوة، أما هداية التوفيق فإلى الله وحده.

رابعًا: لماذا قال الله «وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ»؟

هذه من المواضع البديعة في التعبير القرآني.

فالآية لا تتحدث فقط عن إنسان أعمى في عينيه، وإنما تصور إنسانًا يرى بعينيه ولكنه لا ينتفع بما يرى.

وأشار ابن عاشور إلى أن «لا يبصرون» هنا تتضمن معنى عدم استعمال البصيرة والتفكر والاعتبار؛ فالمشكلة ليست في مجرد النظر، وإنما في عدم الوصول من النظر إلى الحقيقة.

وهنا يظهر الفرق بين:

النظر بالعين
و
الإبصار بالقلب.

قد تقرأ عشرات الآيات، لكن قلبك لا يتدبرها.

وقد تسمع الموعظة، لكنك لا تتأثر بها.

وقد ترى إنسانًا صالحًا، وتدرك حسن أخلاقه، ثم لا يدفعك ذلك إلى الاقتداء به.

فليست العبرة بمجرد وصول المعلومة إلى الإنسان، وإنما بمدى انتفاعه بها.

خامسًا: لماذا جاءت الآية في هذا السياق؟

سورة يونس تحدثنا عن موقف المشركين من رسالة النبي ﷺ.

كان بعضهم يسمع القرآن، وبعضهم يرى النبي ﷺ، ومع ذلك يصر على التكذيب.

فجاءت هذه الآية لتبين للنبي ﷺ أن عدم إيمان هؤلاء ليس بسبب نقص في البلاغ أو ضعف في الحجة.

لقد أدى الرسول ﷺ مهمته: بلغ، ودعا، وأنذر، وبشر.

أما فتح القلوب للهداية فليس في قدرة البشر.

ولهذا قال الطبري إن الآية جاءت تسلية للنبي ﷺ وتعزية له عمن كذب به وأعرض عنه.

سادسًا: ماذا تعلمنا الآية في حياتنا؟

الآية ليست مجرد قصة عن قوم عاشوا في زمن النبي ﷺ، وإنما تحمل درسًا عميقًا في التعامل مع الناس.

أحيانًا تبذل كل ما تستطيع لإقناع شخص تحبه.

تنصحه مرة، ثم مرتين، ثم عشر مرات.

تشرح له، وتذكر له الأدلة، وتحاول أن تنقذه من طريق يؤذيه، لكنه لا يستجيب.

هنا تعلمك الآية أن مسؤوليتك هي البلاغ والنصح، وليست السيطرة على قلوب الناس.

قال الله تعالى:

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ۝ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾
[الغاشية: 21-22].

وهذا لا يعني أن نتوقف عن النصيحة، بل يعني أن ندعو إلى الخير بحكمة ورحمة، دون أن نحمل أنفسنا ما لا نملك.

سابعًا: موقف النبي ﷺ يعلمنا الرحمة وعدم اليأس

ومع أن الهداية بيد الله، فإن النبي ﷺ لم يكن يتوقف عن الدعوة.

بل كان حريصًا على هداية الناس، حتى قال الله تعالى:

﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
[الشعراء: 3].

أي لعلك تهلك نفسك حزنًا وحسرة على عدم إيمانهم.

وهنا تأتي الآية لتعلمه ﷺ، وتعلمنا من بعده: ابذل السبب، وادعُ، وانصح، وارفق، ثم اترك القلوب لخالقها.

ثامنًا: ليس كل من يرى يكون مبصرًا

من أجمل ما نستفيده من الآية أن البصيرة أعظم من البصر.

قد يمتلك الإنسان علمًا واسعًا، لكنه لا يعمل به.

وقد يسمع الحق، لكنه يرفضه بسبب الكبر.

وقد يرى الصواب، لكنه يختار الخطأ بسبب الهوى.

ولهذا قال الله تعالى:

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[الحج: 46].

فالعمى الحقيقي الذي يحذر منه القرآن هو أن يفقد الإنسان بصيرة القلب، فلا يعود يميز الحق من الباطل ولا ينتفع بما يرى ويسمع.

الخلاصة

قوله تعالى:

﴿أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾

ليس انتقاصًا من قدرة النبي ﷺ على الدعوة، وإنما بيان لحدود القدرة البشرية.

فالرسول ﷺ يستطيع أن يدعو ويبين ويرشد، لكنه لا يستطيع أن يخلق الإيمان في قلب إنسان رفض الحق.

وهذه الآية تحمل رسالة عظيمة لكل من أنهكه محاولة تغيير الآخرين:

أنت مسؤول عن صدق نصيحتك، ولست مسؤولًا عن استجابة الناس لها.

افعل ما تستطيع، وتكلم بالحكمة، وادعُ بالخير، ولا تيأس من رحمة الله، لكن لا تحمل قلبك فوق طاقته.

فكما قال الله تعالى:

﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾
[الليل: 12].

والقلوب بين يدي الله، يهدي من يشاء بحكمته وعدله.

المصادر الموثوقة

القرآن الكريم: سورة يونس، الآيتان 43-44، وسورة القصص الآية 56، وسورة الحج الآية 46.

تفسير الطبري – جامع البيان: تفسير سورة يونس، الآية 43.

تفسير ابن كثير: تفسير سورة يونس، الآية 43.

تفسير السعدي – تيسير الكريم الرحمن: تفسير سورة يونس، الآية 43.

تفسير ابن عاشور – التحرير والتنوير: تفسير سورة يونس، الآية 43.

تفسير البغوي: تفسير سورة يونس، الآية 43.

صحيح البخاري وصحيح مسلم: حديث أبي طالب المتعلق بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.

comments ( 0 )

please login to be able to comment

article by
mohamed kano Rating 5 out of 5.
articles

35

followings

26

followings

18

similar articles
-