تفسير سورة الغاشية

تفسير سورة الغاشية

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

تفسير سورة الغاشية

افتتحت السورة بقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وهو أسلوب يلفت الانتباه ويثير في النفس الشوق لمعرفة الخبر العظيم، والمقصود بالغاشية يوم القيامة، الذي يغشى الناس بأحداثه وأهواله، فلا ينجو منه أحد.

ثم بين الله سبحانه وتعالى حال فريق من الناس في هذا اليوم، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ۝ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾، أي وجوه يظهر عليها الذل والانكسار، وقد تعبت وأرهقت من شدة العذاب. وقد ذكر المفسرون أن المقصود قوم اجتهدوا في أعمال لا تنفعهم لأنها لم تُبنَ على الإيمان الصحيح والطاعة لله، أو أنهم يتعبون في النار بالعذاب المستمر.

ويقول تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ۝ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾، أي يدخلون نارًا شديدة الحرارة، ويُسقون من ماء بلغ الغاية في السخونة. ثم يبين نوع الطعام الذي يقدم لهم بقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾، وهو نبات شديد المرارة والشوك، لا يغني من جوع ولا ينفع الجسم، وإنما يزيدهم عذابًا فوق عذابهم.

بعد ذلك تنتقل السورة إلى مشهد آخر مليء بالطمأنينة والنعيم، فتصف حال المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ۝ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾، أي وجوه مشرقة سعيدة، فرحة بما قدمته من أعمال صالحة في الدنيا، وقد وجدت ثوابها عند الله.

ثم يصف الله نعيم الجنة بقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، أي رفيعة المكانة والقدر، لا يسمع أهلها كلامًا باطلًا ولا لغوًا، بل يعيشون في سلام وطمأنينة. وفيها عيون جارية، وسرر مرتفعة، وأكواب موضوعة، ووسائد مصفوفة، وزرابي مبثوثة، وهي صور تبين كمال الراحة والنعيم الذي أعده الله لعباده الصالحين.

ثم تنتقل السورة إلى دعوة عظيمة للتفكر في خلق الله، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. وبدأت بالإبل لأنها كانت أقرب المخلوقات إلى العرب، ولما فيها من عجائب الخلق؛ فهي تتحمل المشاق، وتصبر على العطش، وسخرها الله لخدمة الإنسان.

ثم قال سبحانه: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، فهي سقف محفوظ بغير أعمدة يراها الناس، تدل على قدرة الخالق وعظمته. وقال: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، فالجبال تثبت الأرض وتظهر فيها حكمة الله في خلق الكون. ثم قال: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، أي بُسطت وهيئت ليستقر عليها الإنسان ويعيش فيها ويزرع ويسافر.

إن هذه الآيات تعلم المسلم أن التفكر في الكون عبادة عظيمة تزيد الإيمان، فكل ما في الكون يدل على وحدانية الله وكمال قدرته، ويقود الإنسان إلى شكره وطاعته.

وفي ختام السورة يوجه الله الخطاب إلى النبي محمد ﷺ بقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾، أي أن مهمتك هي الدعوة إلى الله وبيان الحق، وليس عليك أن تُكره الناس على الإيمان. ثم قال: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، أي لست مسلطًا على قلوبهم، وإنما الهداية بيد الله وحده.

ويستثني الله من أعرض وكفر، فيقول: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ ۝ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾، أي أن من أعرض عن الحق واستمر على كفره فله أشد العذاب يوم القيامة.

وتختتم السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ۝ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾، وهي آية تبعث في النفس الشعور بالمسؤولية، فالجميع راجعون إلى الله، وسيحاسب كل إنسان على أعماله، صغيرها وكبيرها، فينبغي للمؤمن أن يستعد لهذا اللقاء بالإيمان والعمل الصالح.

وتحمل سورة الغاشية العديد من الدروس والعبر، منها: الإيمان بالبعث والجزاء، والترغيب في العمل الصالح، والتحذير من الكفر والإعراض، والدعوة إلى التفكر في خلق الله، وبيان أن وظيفة الداعية هي البلاغ بالحكمة والموعظة الحسنة، مع اليقين بأن الله هو الذي يتولى حساب عباده يوم القيامة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
حسن تقييم 5 من 5.
المقالات

10

متابعهم

7

متابعهم

23

مقالات مشابة
-