تفسير سورة الفجر

تفسير سورة الفجر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

تفسير سورة الفجر 

تبدأ سورة الفجر بقسمٍ عظيم يقول الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. يقسم الله تعالى بهذه المخلوقات العظيمة التي تحمل دلائل قدرته وحكمته. وقد اختلف المفسرون في المقصود بالليالي العشر، وأشهر الأقوال أنها العشر الأوائل من شهر ذي الحجة لما لها من فضل عظيم. أما الشفع والوتر فقد قيل إنهما يشيران إلى كل زوج وفرد في الكون، وقيل غير ذلك، وكلها أقوال تدل على عظمة خلق الله وانتظام الكون بأمره.

ثم يقول سبحانه: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾، أي هل في هذه الأقسام ما يكفي صاحب العقل السليم للتأمل والإيمان بعظمة الله وقدرته؟ فالعاقل يدرك أن هذا الكون لم يُخلق عبثًا، بل بقدرة الخالق الحكيم.

بعد ذلك تنتقل السورة إلى الحديث عن الأمم السابقة التي كذبت رسل الله، فتذكر قوم عاد أصحاب القوة والبنيان العظيم، وثمود الذين نحتوا الجبال بيوتًا، وفرعون صاحب الملك والسلطان. يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. وتبين الآيات أن القوة والمال والسلطان لا يمنعون عقاب الله إذا تمادى الإنسان في الظلم والطغيان، فالله سبحانه يمهل ولا يهمل، ويأخذ الظالم إذا أصر على ظلمه.

ثم توضح السورة حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن الغنى والفقر كلاهما ابتلاء من الله، وليس دليلًا على رضا الله أو غضبه. يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾. فليس كل غني مكرمًا عند الله، وليس كل فقير مهانًا، وإنما الكرامة الحقيقية تكون بالإيمان والعمل الصالح.

وتكشف السورة بعد ذلك بعض مظاهر الانحراف الأخلاقي، مثل عدم إكرام اليتيم، وعدم الحث على إطعام المسكين، وأكل الميراث بغير حق، والتعلق الشديد بالدنيا والمال. وهذه الصفات تدل على ضعف الإيمان وقسوة القلب، ولذلك جاءت السورة لتدعو إلى الرحمة والعدل والإحسان.

ثم تنتقل الآيات إلى مشهد مهيب من مشاهد يوم القيامة، حيث يقول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. إنه يوم تظهر فيه الحقائق، ويتمنى الإنسان لو أنه قدم في حياته من الأعمال الصالحة ما ينجيه، فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. ولكن الندم في ذلك اليوم لا ينفع، فالعمل ينتهي بالموت ويبدأ الجزاء.

وتختتم السورة بأجمل ختام يحمل البشارة للمؤمنين، حيث ينادي الله النفس المؤمنة بقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. والنفس المطمئنة هي التي آمنت بالله، ووثقت بوعده، ورضيت بقضائه، واستقامت على طاعته، فاستحقت هذا النداء الكريم وهذا الجزاء العظيم.

وتعلمنا سورة الفجر أن الإنسان ينبغي ألا يغتر بقوته أو ماله، وأن يعتبر بما جرى للأمم السابقة، وأن يدرك أن الدنيا دار اختبار، وأن الفوز الحقيقي هو رضا الله ودخول الجنة. كما تحثنا على رعاية الضعفاء، والعدل في الحقوق، والابتعاد عن الطغيان والظلم، والاستعداد ليوم الحساب بالأعمال الصالحة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
حسن تقييم 5 من 5.
المقالات

10

متابعهم

7

متابعهم

23

مقالات مشابة
-