فضل الصلاة علي النبي ﷺ يوم الجمعة
فضلُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ يومَ الجُمُعَة
الحمدُ للهِ الذي أرسَلَ رسولَهُ بالهدى ودينِ الحقِّ، لِيُظْهِرَهُ على الدِّينِ كلِّهِ ولو كَرِهَ المُشْرِكُونَ. والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ لا نَبيَّ بَعدَهُ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، خَيرِ الوَرَى، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
لقد أكْرَمَنَا اللهُ بِشَهرِ الرَّمَضانِ وَسائِرِ الشُّهُورِ، وجَعَلَ في كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمًا مُبَارَكًا يَجْمَعُ المُؤْمِنِينَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالخَيْرِ، ذَلِكَ هُوَ يَوْمُ الجُمُعَةِ. وَفِي هَذَا اليَوْمِ العَظِيمِ، تَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ، وَتُجَابُ الدَّعَوَاتُ، وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ. وَفِي طَلِيعَةِ العِبَادَاتِ التِي تُقَرِّبُ العَبْدَ إِلَى رَبِّهِ فِي هَذَا اليَوْمِ، تَأْتِي الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
مكانةُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ
قَدْ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَظِيمَ هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ، فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب: 56). وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَأْمُرُ المُؤْمِنِينَ جَمِيعًا بِالإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّسُولِ الكَرِيمِ، وَبِتَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَيْهِ. وَالصَّلَاةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ هِيَ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَالصَّلَاةُ مِنَ المَلَائِكَةِ هِيَ اسْتِغْفَارٌ لَهُ، وَالصَّلَاةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ هِيَ دُعَاءٌ لَهُ وَطَلَبٌ لِلرَّحْمَةِ وَالبَرَكَةِ عَلَيْهِ.
فضائلُ الإكثارِ من الصلاةِ على النبيِّ ﷺ يومَ الجُمُعَة
يَوْمُ الجُمُعَةِ لَهُ مَزِيَّةٌ خَاصَّةٌ فِي الإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَدَدٌ مِنَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَإِنَّ صَلَاةَ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً" (أخرجه البيهقي في السنن الكبرى).
فَفِي هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ دَلِيلٌ عَلَى فضلِ الإكثارِ من الصلاةِ على النبيِّ ﷺ في يومِ الجُمُعَةِ، لِمَا يَأْتِي:
- عَرْضُ صَلاَةِ الأُمَّةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: تُعْرَضُ صَلاَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَيَزْدَادُ فَرَحُهُ وَسُرُورُهُ بِمَا يَأْتِيهِ مِنْ صَلاَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
- قُرْبُ المَنْزِلَةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ يُكْثِرُ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ يَكُونُ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ فِي الجَنَّةِ، يَنْعَمُ بِصُحْبَتِهِ وَرُؤْيَتِهِ وَشَفَاعَتِهِ.
- وُرُودُ الأَمْرِ النَّبَوِيِّ: الْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ أَمْرًا نَبَوِيًّا صَرِيحًا بِالإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ.
- اسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ: الدُّعَاءُ بَعْدَ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَرْجَى لِلإِجَابَةِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ" (أخرجه أبو داود والترمذي).
أقسامُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ
الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
- صَلَاةٌ مُطْلَقَةٌ: وَهِيَ التِي لَا يُحَدَّدُ فِيهَا عَدَدٌ مُعَيَّنٌ مِنَ المَرَّاتِ، وَيُمْكِنُ قَوْلُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، مِثْلَ "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" أَوْ "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
- صَلَاةٌ مُقَيَّدَةٌ: وَهِيَ التِي يُحَدَّدُ فِيهَا عَدَدٌ مُعَيَّنٌ مِنَ المَرَّاتِ، مِثْلَ قَوْلِ "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ أَلْفَ مَرَّةٍ". وَهَذَا النَّوْعُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ، بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَا يَنْبَغِي فِعْلُهَا.
صِيَغُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ
أَفْضَلُ صِيَغِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هِيَ التِي عَلَّمَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ، وَهِيَ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" (أخرجه البخاري ومسلم).
كيفيةُ الإكثارِ من الصلاةِ على النبيِّ ﷺ في يومِ الجُمُعَة
يُمْكِنُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِعِدَّةِ طُرُقٍ، مِنْهَا:
- تَكْرَارُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: يُكْرِرُ المُسْلِمُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَيِّ صِيغَةٍ مُبَاحَةٍ، مِثْلَ "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" أَوْ "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
- الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ: يُصَلِّي المُسْلِمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ.
- الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الأَذَانِ: يُصَلِّي المُسْلِمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ سَمَاعِ الأَذَانِ وَقَبْلَ قَوْلِ "اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ".
- الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الدُّعَاءِ: يَخْتِمُ المُسْلِمُ دُعَاءَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
- قِرَاءَةُ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ: يَقْرَأُ المُسْلِمُ الأَحَادِيثَ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةَ التِي تَحُثُّ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
خاتمةٌ
الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ تُقَرِّبُ العَبْدَ إِلَى رَبِّهِ وَتَرْفَعُ دَرَجَتَهُ فِي الجَنَّةِ، كَمَا أَنَّهَا تُنَالُ بِهَا شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ: "أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً" (أخرجه الترمذي). فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَأَنْ يَتَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أجمعينَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.