افضل الاعضاء تقيما هذا الاسبوع
يوم انكسرت تسعة سيوف في يد خالد بن الوليد

يوم انكسرت تسعة سيوف في يد خالد بن الوليد

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

يوم لم تكن فيه الراية مجرد راية

لم يكن صباح مؤتة صباحًا عاديًا.

خرج جيش المسلمين من المدينة متجهًا إلى أرض الشام، وفي مقدمته ثلاثة رجال اختارهم رسول الله ﷺ للقيادة: زيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة.

ثلاثة أسماء، وثلاثة قادة، وجيش يسير إلى مواجهة لم تكن سهلة.

ولم يكن خالد بن الوليد رضي الله عنه يومها قائد الجيش.

كان واحدًا من رجال المسلمين في ذلك الجيش.

لكن الأيام القادمة ستجعل اسمه مرتبطًا بتلك المعركة إلى الأبد.

كانت مؤتة في أرض الشام، وهناك واجه المسلمون جيشًا كبيرًا من الروم وحلفائهم. وتذكر كتب السيرة أعدادًا ضخمة للجيش المقابل، لكن تحديد العدد بدقة محل خلاف بين المؤرخين، ولذلك لا يصح أن نتعامل مع كل رقم مشهور وكأنه حقيقة قطعية.

المؤكد أن المسلمين كانوا أمام قوة كبيرة، وأن المعركة كانت شديدة.

ثم بدأ كل شيء يتغير.


سقط القائد الأول

أمسك زيد بن حارثة الراية.

لم يكن اختيار زيد أمرًا عابرًا؛ فقد كان من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقد جعله النبي ﷺ قائدًا للجيش.

ودارت المعركة.

ثم سقط زيد شهيدًا.

لكن الراية لم تسقط.

انتقلت إلى جعفر بن أبي طالب.

جعفر، ابن عم رسول الله ﷺ، كان رجلًا له مكانته بين المسلمين، لكنه في ذلك اليوم لم يكن واقفًا بين الناس يتابع المعركة.

كان في قلبها.

وقاتل حتى استشهد.

وتذكر الروايات الصحيحة أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وجد في جسد جعفر بضعًا وتسعين من طعنة ورمية.

ولم تنتهِ المعركة.

أُخذت الراية مرة أخرى.

هذه المرة إلى عبد الله بن رواحة.

وكان ابن رواحة يعلم أن الطريق الذي أمامه قد لا يكون له منه رجوع.

لكنه تقدم.

ثم استشهد هو الآخر.

ثلاثة قادة سقطوا.

والراية التي حملوها بقيت تبحث عن يد تحملها.

وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ أخبر أصحابه بما جرى في مؤتة قبل أن يصلهم الخبر، فقال إن زيدًا أخذ الراية فأصيب، ثم جعفر فأصيب، ثم ابن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه.

كان ذلك السيف هو خالد بن الوليد.


خالد أمام اللحظة التي لم يطلبها

وصلت الراية إلى خالد.

وهنا تبدأ أكثر لحظات القصة إثارة.

لأن خالدًا لم يكن أمام معركة بدأها هو.

لقد ورث معركةً بعد سقوط ثلاثة قادة.

والجيش الذي أمامه لم يختفِ.

والعدو لم يتراجع لأن القادة الثلاثة سقطوا.

بل كان على خالد أن يتصرف الآن.

في مثل هذه اللحظة، لا يكون السؤال:

كيف أنتصر؟

فقط.

بل يصبح السؤال:

كيف أحافظ على الجيش من أن يتحول سقوط قادته إلى انهيار كامل؟

وهنا ظهر خالد القائد.

تذكر كتب السيرة روايات عن أنه أعاد ترتيب الجيش، فجعل بعض صفوفه في مواضع مختلفة، وغيّر هيئة الجيش بحيث بدا للعدو وكأن مددًا جديدًا قد وصل إلى المسلمين.

هذه التفاصيل وردت في كتب السيرة بأسانيد وطرق متفاوتة القوة، ولذلك الأفضل ألا نقدمها كأن كل جزئية منها ثابتة كحديث صحيح.

لكن الثابت الذي لا يحتاج إلى قصة من الخيال هو ما رواه خالد نفسه عن ذلك اليوم.

لقد كان القتال شديدًا إلى درجة أنه قال:

«لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية».

تسعة أسياف.

لم يكن يتحدث عن معركة بعيدة قرأ عنها بعد سنوات.

كان يتحدث عن يوم عاشه بيده وسيفه.

سيف ينكسر.

فيأخذ غيره.

ثم ينكسر الثاني.

ثم الثالث.

حتى أصبح العدد تسعة.

ولم يبقَ في يده إلا سيف يماني.

وهذه الجملة وحدها تكفي لتخبرك عن طبيعة ذلك اليوم أكثر من عشرات الأوصاف.


الراية التي لم تسقط

هناك شيء قد يضيع وسط الحديث عن خالد.

وهو أن القصة لم تكن قصة رجل واحد.

زيد حمل الراية.

ثم جعفر.

ثم عبد الله بن رواحة.

ثم خالد.

كل واحد منهم كان يعرف أن حمل الراية في ذلك اليوم ليس شرفًا فقط.

إنه مسؤولية.

والأشد تأثيرًا أن النبي ﷺ كان في المدينة يخبر أصحابه بما يحدث في مؤتة.

ففي الحديث أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، وكانت عيناه تذرفان وهو يخبرهم بما وقع.

لم تكن المسافة بين المدينة ومؤتة صغيرة.

لكن خبر المعركة وصل إلى رسول الله ﷺ قبل أن يصل إلى الناس من أفواه العائدين.

وكانت المدينة تنتظر.


لحظة القرار

بعد استشهاد القادة الثلاثة، أصبح الجيش أمام لحظة شديدة الخطورة.

كان يمكن للفوضى أن تبتلع الصفوف.

وكان يمكن للجنود أن يتفرقوا.

وكان يمكن للمعركة أن تتحول إلى كارثة.

لكن خالد تولى القيادة.

ومن هنا لا ينبغي أن نرسم في أذهاننا مشهدًا سينمائيًا ونضع كلمات في فم خالد لم ترد عنه.

لا نعرف ماذا قال لجندي بعينه في تلك اللحظة.

ولا نعرف كيف كانت كل حركة في الميدان لحظة بلحظة.

لكننا نعرف النتيجة التي أخبر بها النبي ﷺ أصحابه: أن الراية أخذها خالد، وأن الله فتح على يديه.

ولهذا كان لقب سيف من سيوف الله مرتبطًا بخالد في الحديث، وليس مجرد لقب اخترعه مؤرخ متأخر.


تسعة سيوف

تخيل الآن نهاية يوم طويل من القتال.

ليس خالد واقفًا أمام سيف لامع محفوظ في غمده.

بل رجل قاتل حتى انكسرت في يده تسعة أسياف.

هذه ليست مبالغة أدبية.

إنها شهادة خالد نفسه، كما رواها عنه قيس بن أبي حازم وأخرجها البخاري.

قال:

«لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف».

ثم ذكر أن الذي بقي في يده كان سيفًا يمانيًا.

ربما لهذا السبب تحديدًا تبدو مؤتة مختلفة عن القصص التي تُروى عن خالد.

لأننا لا نحتاج إلى إضافة شيء.

الواقع نفسه كان قاسيًا بما يكفي.


ليس كل نصر أن يبقى الجيش في مكانه

ومن الأخطاء التي قد يقع فيها القارئ عندما يسمع قصة مؤتة أن يتصور أن خالدًا حقق نصرًا بمعنى أن الجيش الإسلامي سحق الجيش المقابل واستولى على أرض المعركة.

هذه الصورة ليست دقيقة.

فالروايات وشرح العلماء اختلفت في معنى الفتح الذي وقع على يد خالد، ومن أوجه تفسيره أن خالدًا استطاع أن ينحاز بجيش المسلمين ويحفظه من الاستئصال بعد استشهاد القادة الثلاثة، وهو ما يفسر طبيعة الموقف العسكري الذي كان فيه المسلمون.

وهنا تظهر قيمة أخرى في القصة.

فالقائد لا يقاس دائمًا بعدد الصفوف التي أسقطها.

أحيانًا تكون مهمته أن يمنع جيشًا كاملًا من أن يضيع.

وهذا بالضبط هو أحد أهم الدروس التي يمكن فهمها من مؤتة.


وعاد خالد

 

انتهت مؤتة.

 

لكن خالدًا لم يعد منها كما ذهب إليها.

خرج من المعركة وقد حمل الراية بعد ثلاثة قادة استشهدوا، وخاض قتالًا شديدًا، وانكسرت في يده تسعة أسياف.

وفي المدينة كان رسول الله ﷺ قد أخبر المسلمين بما حدث.

ولم تكن القصة قصة رجل يبحث عن المجد.

كان فيها زيد.

وفيها جعفر.

وفيها ابن رواحة.

وفيها رجال كثيرون قاتلوا وماتوا دون أن تحفظ لنا كتب التاريخ أسماءهم جميعًا.

ولهذا فإن أجمل ما في مؤتة ليس أن نقول:

كان خالد لا يُهزم.

فهذه عبارة أكبر من الحقائق التاريخية.

الأجمل أن نقول:

كان أمامه جيش فقد ثلاثة من قادته، وكان عليه أن يتخذ قرارًا في أصعب لحظة، فحمل الراية، وقاتل، وحافظ على الجيش، ثم بقيت شهادته عن ذلك اليوم محفوظة إلى اليوم:

تسعة أسياف انكسرت في يده.


وبعد كل هذا... ماذا يبقى؟

ربما تبقى صورة واحدة.

راية تتنقل من يد إلى يد.

زيد.

ثم جعفر.

ثم عبد الله بن رواحة.

ثم خالد.

ثلاثة استشهدوا، والرابع حمل الراية.

ولم يكن خالد يومها يعرف أن تلك الساعات ستجعل اسمه واحدًا من أشهر أسماء القادة في التاريخ الإسلامي.

كان أمامه شيء أبسط وأثقل:

جيش يحتاج إلى قائد.

فأمسك الراية.

وهكذا بقيت مؤتة واحدة من أكثر صفحات سيرة خالد بن الوليد إثارة؛ ليس لأنها قصة رجل خارق، وإنما لأنها قصة إنسان وجد نفسه في أصعب لحظة، فثبت، وقاتل، واتخذ القرار الذي كان عليه أن يتخذه.

وبعد سنوات، بقيت من تلك المعركة جملة قصيرة قالها خالد بنفسه:

«لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف».

تسعة أسياف...

وسيف واحد بقي في يده.

وكأن ذلك السيف الأخير كان شاهدًا على يوم كامل من القتال، وعلى راية انتقلت بين أربعة رجال، وعلى معركة لم يكن أعظم ما فيها عدد من سقطوا، وإنما أن الراية لم تسقط.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Ahmed Mohamed Obied Mohamed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-