في هذا المقال
قبل أن نعرف الحقيقة – الجزء الثالث: الغرفة رقم 9.. الفتاة التي لا تتذكر اسمها
الطريق إلى الغرفة رقم 9
لم تستطع ليلى النوم تلك الليلة. كانت صورة مريم موضوعة أمامها على المكتب، وإلى جوارها شهادة الميلاد التي اكتشفتها في فندق الميناء. كلما حاولت إغلاق عينيها، عادت تسمع كلمات آدم: «الشخص اللي ممكن يكون السبب في موت أبوكي.»
من هو سليم السيوفي؟ ولماذا غيّر والدها تاريخ ميلادها؟ والأهم من ذلك، لماذا حذرتها أمها من آدم، بينما كان هو الشخص الذي وقف بجانبها طوال السنوات الماضية؟
مع شروق الشمس، اتخذت ليلى قرارها. لن تخبر آدم بأي شيء عن الرسالة التي وجدتها، وستذهب إلى الغرفة رقم 9 وحدها.
بحثت عن عنوان الفندق القديم المكتوب على ظهر الصورة، ثم اكتشفت أنه يقع في منطقة بعيدة عن وسط المدينة، داخل مبنى كان في الماضي جزءًا من مستشفى خاص أُغلق منذ سنوات.
وصلت إلى المكان بعد ساعة من البحث. كان المبنى محاطًا بسور حديدي صدئ، والنوافذ مغطاة بالأتربة، بينما تحركت الأشجار اليابسة أمام المدخل مع الهواء البارد.
أخرجت ليلى الصورة مرة أخرى. في زاويتها السفلية ظهر رقم صغير لم تلحظه من قبل: 9.
دفعت البوابة بصعوبة، ودخلت إلى المبنى. كان الممر طويلًا ومظلمًا، وعلى الجدران بقايا لوحات إرشادية قديمة. وفي نهايته وجدت بابًا يحمل الرقم الذي تبحث عنه.
الغرفة رقم 9.
لكن عندما مدت يدها إلى المقبض، سمعت صوت فتاة يأتي من الداخل.
«مريم... متسبينيش لوحدي!»
تجمدت ليلى في مكانها.
كان ذلك اسم أختها.
الفتاة التي أنكرت اسمها
فتحت ليلى الباب ببطء، فوجدت غرفة صغيرة تحتوي على سرير وخزانة قديمة ونافذة ضيقة. كانت تجلس على السرير فتاة في أواخر العشرينيات، ترتدي سترة زرقاء، وشعرها البني يصل إلى كتفيها.
رفعت الفتاة رأسها نحو ليلى، ونظرت إليها بقلق واضح.
«إنتِ مين؟ وبتعملي إيه هنا؟»
اقتربت ليلى خطوة، بينما كان قلبها يخفق بقوة.
«أنا ليلى... أختك.»
تغير وجه الفتاة للحظة، وكأن الاسم حرّك شيئًا عميقًا داخل ذاكرتها. لكنها سرعان ما هزت رأسها بعنف.
«أنا معنديش أخت. إنتِ غلطانة في العنوان.»
شعرت ليلى بألم شديد، لكنها لم تتراجع. أخرجت الصورة القديمة التي تجمعهما في طفولتهما، ووضعتها أمام الفتاة.
ظلت الفتاة تحدق في الصورة طويلًا. بدأت أصابعها ترتجف، ثم وضعت يدها على رأسها وهي تهمس بكلمات غير مفهومة.
«البيت الأبيض... الشجرة الكبيرة... صوت العربية...»
رفعت عينيها فجأة، وكان الخوف يملؤهما.
«إنتِ لازم تمشي من هنا! لو عرفوا إنكِ وصلتي لي، هيأذوكي!»
أمسكت ليلى بيدها.
«مين اللي هيأذيني؟ مريم، بصي لي كويس. أنا أختك، وبدور عليكي من خمس سنين. قولي لي بس إيه اللي حصل؟»
امتلأت عينا الفتاة بالدموع، لكنها سحبت يدها بسرعة.
«اسمي مش مريم.»
ثم أضافت بصوت مرتجف:
«أنا مش فاكرة اسمي أصلًا.»
ذكريات مفقودة وحقيقة مخيفة
جلست ليلى بجوار الفتاة، وحاولت أن تهدئها. لم تكن تريد الضغط عليها، لكنها كانت تشعر بأن كل إجابة قد تقودها إلى حقيقة اختفاء أختها.
أخبرتها الفتاة أنها تعيش في هذا المكان منذ فترة، وأنها لا تتذكر الكثير من ماضيها. كانت هناك امرأة تزورها أحيانًا، ورجل يأتي في أوقات متفرقة ويسألها عن أحلام تراها أثناء نومها.
وعندما سألتها ليلى عن الرجل، تغيرت ملامحها.
«كان اسمه سليم.»
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها.
«سليم السيوفي؟»
أومأت الفتاة ببطء، ثم بدأت تتنفس بسرعة، وكأن الاسم أعاد إليها ذكرى مؤلمة.
«كان بيقول إني لازم أنسى كل حاجة... وإن الماضي لو رجع، ناس كتير هتتأذي.»
حاولت ليلى أن تسألها عن والدها، لكنها لم تحصل على إجابة واضحة. كل ما استطاعت الفتاة تذكره كان صوت شجار، ورائحة دخان، ورجل يصرخ قائلًا: «الورق لازم يختفي قبل ما حد يشوفه.»
ثم انهارت الفتاة في البكاء.
احتضنتها ليلى دون أن تطلب منها المزيد، وفي تلك اللحظة شعرت بأنها اقتربت أخيرًا من أختها، حتى لو لم تكن ذاكرتها قادرة على الاعتراف بذلك.
لكن قبل أن تغادر الغرفة، أمسكت الفتاة بيدها وهمست:
«في حاجة لازم تعرفيها... الراجل اللي بييجي هنا مش الوحيد اللي بيكدب عليكي.»
«تقصدِي مين؟»
نظرت الفتاة إلى الباب، ثم قالت:
«آدم.»
التحذير الذي قلب كل شيء
لم تصدق ليلى ما سمعته. كيف يمكن لآدم أن يكون متورطًا في الأمر؟ لقد ساعدها في البحث عن مريم، وكان يبدو صادقًا في كل مرة تحدثا فيها.
لكن الفتاة لم تتراجع عن كلامها.
«أنا مش فاكرة كل حاجة، بس فاكرة إنه كان موجود ليلة الحادث. كان واقف مع سليم، وكان معاهم ملف بني.»
تذكرت ليلى الملف الذي اختفى من الغرفة رقم 17، وشعرت بأن القطع بدأت تتجمع أمامها بطريقة مخيفة.
قبل أن تتمكن من طرح المزيد من الأسئلة، سمعتا صوت سيارة تتوقف أمام المبنى، تلاه صوت خطوات سريعة في الممر.
تغير وجه الفتاة فورًا.
«وصلوا! لازم تمشي دلوقتي!»
أمسكت ليلى بحقيبتها، لكن الباب فُتح فجأة، وظهر رجل يرتدي معطفًا أسود. لم تستطع رؤية وجهه بوضوح بسبب الظلال، لكنه كان يحمل في يده صورة قديمة لوالد ليلى.
نظر إليها وقال بهدوء:
«أخيرًا وصلتي يا ليلى. أبوكي كان عارف إن اليوم ده هييجي.»
تراجعت ليلى خطوة، بينما وقفت الفتاة خلفها وهي ترتجف.
«إنت مين؟»
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.
«أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك الحقيقة كاملة.»
ثم رفع الصورة أمامها، وأشار إلى رجل يقف بجوار والدها.
كان الرجل هو سليم السيوفي.
لكن المفاجأة لم تكن في ذلك، بل في الشخص الثالث الذي ظهر في الصورة.
كان آدم.
السر الذي لم يكن يجب أن ينكشف
أخرج الرجل ورقة مطوية من جيبه، ووضعها على الطاولة.
«دي آخر ورقة احتفظ بيها أبوكي قبل ما يموت. لو قريتيها، هتفهمي ليه مريم اختفت، وليه تاريخ ميلادك اتغير.»
مدت ليلى يدها نحو الورقة، لكنها توقفت عندما سمعت صوت هاتفها يرن.
كان آدم يتصل بها.
نظرت إلى الشاشة، ثم إلى الرجل الغريب، وشعرت بأنها تقف أمام اختيار قد يغير حياتها إلى الأبد.
أجابت المكالمة دون أن تتكلم.
جاءها صوت آدم متوترًا:
«ليلى، اسمعيني كويس. لو إنتِ في الغرفة رقم 9، اخرجي فورًا. الشخص اللي معاكي مش هو اللي إنتِ فاكرة إنه هو.»
رفعت ليلى عينيها نحو الرجل، فوجدته يبتسم وكأنه كان ينتظر هذه المكالمة.
ثم قال لها بصوت منخفض:
«اسألي آدم مين اللي قفل باب العربية ليلة الحادث.»
انقطع الاتصال فجأة.
نظرت ليلى إلى الفتاة التي كانت تقف خلفها، فوجدتها تبكي وهي تردد اسمًا واحدًا:
«مريم... مريم...»
وفي اللحظة نفسها، تذكرت الفتاة شيئًا آخر. أمسكت بذراع ليلى بقوة وقالت:
«أنا فاكرة دلوقتي! أنا مش اللي اختفت في الليلة دي... إنتِ اللي كانوا عايزين يخفوكي!»
شعرت ليلى بأن الدم تجمد في عروقها.
وقبل أن تسألها عما تعنيه، دوى صوت ارتطام قوي في الممر، وانطفأت الأنوار مرة أخرى.
وعندما عاد الضوء، لم يكن الرجل الغامض موجودًا، واختفت الورقة من فوق الطاولة.
أما الفتاة، فكانت تقف أمام النافذة المفتوحة، تحدق في الشارع وكأنها رأت شبحًا من الماضي.
همست أخيرًا:
«سليم رجع... والمرة دي مش هيسيب حد يهرب.»
يتبع في الجزء الرابع: المرأة التي ماتت مرتين.. الحقيقة التي أخفتها العائلة لسنوات.
تابع جديد Dina Ahmed
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق