في هذا المقال

في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي، صار البصرة والكوفة ساحة رعب لا يجرؤ أحد فيها على رفع رأسه. والحجاج رجل معروف: سفك من الدماء في ولايته ما جعل حتى أعوانه يخافونه. وفي هذا الزمن عاش سعيد بن جبير، مولى بني والبة، من كبار التابعين، وأحد أشهر تلاميذ عبد الله بن عباس، حتى قيل: إن أعلم من بقي بالأحكام والقرآن هو سعيد بن جبير. روى عنه أهل التراجم أنه كان قائمًا بالليل، صوّامًا بالنهار، وأنه كان يخرج من الكوفة إلى حلقة ابن عباس فيفيض عليه من العلم ما لم يُفضِ على غيره.
كان سعيد مع أهل الحق حين خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج. ولم يكن خروجه لطلب ملك، بل لما استفحل من ظلم الحجاج وقتله العلماء وأصحاب الضمائر. فلما انهزم جيش ابن الأشعث، هرب سعيد. وطلب الحجاج أصحابه، فأخبروه أنه في مكة، فأرسل إليه من يقبض عليه ويحمله إليه مقيّدًا.
حين أوقف بين يديه، قال له الحجاج — بأسلوبه المعروف في التهديد — «أنت إمام أهل الكوفة في الضلال». ثم أخذ يسأله عن أشياء يريد بها أن يورّطه، ومنها أن يستنقصه ويكذّبه. ووضع في يده اختيارًا واحدًا لا ثاني له: أن يقول كلمة على لسانه يرضي بها السلطان.
الجواب الذي كلّف الرقبة
في الروايات أن الحجاج قال له: «ما تقول فيّ؟» أو عرض عليه أن يعتذر له عمّا يريد. وكان بإمكان سعيد أن يكذب كلمة واحدة، وينجو برقبته ويعود إلى أهله، بل إن بعض أبناء جيله أشاروا عليه بذلك، إذ لم يكن يجدي كلامه نفعًا ولا يمنع من ظلم.
لكن سعيد بن جبير رفض. وأكثر من ذلك، لمّا قال له الحجاج: «اختر لنفسك»، اختار ما لا ينجي أحدًا.
قال الحجاج: «ما تقول في عثمان؟» — وهي مسألة سياسية حساسة كان الحجاج يستخدمها لاختبار الولاء.
فأجاب سعيد إجابة من لا يبالي: «كان أمير المؤمنين، وقد قُتل مظلومًا.»
قال: «ما تقول في علي؟»
فأجابه إجابة تُغضب الحجاج: «كان من أهل الجنة.»
قال: «ما تقول فيّ؟»
فقال سعيد: «ما أنت بأرضى من عثمان ولا علي، ولا يرضى الله عنك.»
فاضطرب الحجاج، ثم قال: «ما تقول في المهدي؟» أو بعض ما أراد به أن يستدرجه، فلم يرجع سعيد. ثم أمر به، فأقبل عليه يقول: أنت فلان؛ فما زال سعيد يجيبه حتى علم الحجاج أنه لا يجد منه استئنافًا.
فقال: «اذهبوا به فاقتلوه.»
خرج سعيد مع الحرس، ووجهه مطمئن. سأله أحدهم: كيف حالك؟ قال: «ما كنت أرى أن أموت إلا في السجود.» — ثم أضاف: «اللهم لا تسلّط عليّ أحدًا بعده» أو نحوها، أي دعا أن لا يعذّب الناس بعده بمثل ذلك الرجل.
ووُجد فيه أن الحجاج سأله عند القتل: «ما تقول؟» فقرأ سعيد بن جبير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19]، وروي أنه قال قبله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79] ثم قُتل سنة 95 هجرية في واسط، وقيل سنة 94.
ما بقي من رجلٍ لا يُصانع
قصب السكّر في الأمة لا يُقاس بعدد الأبطال الذين ماتوا، بل بعدد الشروط التي ظنّ كل واحدٍ منهم أنه لن يضطر إلى تجاوزها. وسعيد رفض شرطًا واحدًا صغيرًا: أن يخفي رأيه في أمر عام. لكن هذا الشرط الصغير كان بمثابة مفتاح السلطة؛ فلو رفضه واحد، بقي الباب مغلقًا.
وهنا الفرق بين القصة التي نحكيها في الليل وتلك التي تكلّف الدم: التضحيات الكبرى لا تحدث عند لحظات النصر، بل عند اللحظة الهادئة التي يمكن فيها التراجع بلا عقاب. سعيد بن جبير كان مستعدًّا للموت منذ عرف معنى الحقّ، فلم يكن موقفه في اليوم الأخير نوبة شجاعة — كان قرارًا سابقًا في الحياة اليومية، في قيامه الليل، وحفظه القرآن، وفي جرأته أن يقول لابن عباس ما لا يجرؤ عليه غيره.
تابع جديد يوسف
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق