زكريا ويحي عليهما السلام

زكريا ويحي عليهما السلام

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

زكريا ويحيى.. معجزة اليقين وحكاية الأمل الذي لا يموت

المقدمة: عندما تنقطع الأسباب ويتبقى رب الأسباب

​في زحمة الحياة، قد يمر بالواحد منا قطار العمر، ويشعر أن أحلامه قد "شابت" كما شاب شعره، وأن أمنياته أصبحت مستحيلة بمقاييس البشر. هنا، تأتي قصة الشيخ الكبير سيدنا زكريا (عليه السلام)، لتعيد صياغة مفهوم المستحيل. هي قصة ليست مجرد سرد لتاريخ، بل هي "روشتة" لكل من يطلب رزقاً تأخر، أو باباً أُغلق في وجهه لسنوات.

1. المحراب الهادئ والدعاء الخفيimage about زكريا ويحي عليهما السلام

​عاش سيدنا زكريا عمره كله في خدمة بيت المقدس، كان رجلاً صالحاً قانتًا، لكنه كان يحمل في قلبه غصة "الوحدة". اشتعل رأسه شيباً، ووهن عظمه، وزوجته كانت عاقراً لا تلد. في منطق "الطب" و"الواقع"، كانت الفرصة قد انتهت. لكن زكريا لم يكن ينظر إلى واقعه، بل كان ينظر إلى "قدرة ربه".

الدرس الإيماني: علمنا زكريا أدب الدعاء؛ (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا). اليقين لا يحتاج لصراخ، بل يحتاج لقلب موقن بأن الذي خلق الكون من عدم، قادر على إحياء الأمل في رحمٍ عاقر.

2. كفالة مريم ولحظة الانفجار الإيمانيimage about زكريا ويحي عليهما السلام

​كان زكريا يدخل على السيدة مريم في المحراب، فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف! حين سألها: (أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا؟) قالت بلسان الواثق: (هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).

هنا "هنالك" دعا زكريا ربه. أدرك أن الله الذي يرزق مريم بالفاكهة في غير أوانها، قادر على أن يرزقه بالولد في غير أوانه.

  • الدرس العملي: ابحث عن "بشائر الخير" حولك، فنجاح غيرك أو رزقهم هو رسالة من الله لك أن الدور قادم عليك، فقط قل "يا رب" بقلب مريم ويقين زكريا.

3. البشرى المذهلة والآية العجيبة

​وبينما هو قائم يصلي في المحراب، جاءت الملائكة بالخبر الذي يزلزل القلوب: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ). لم تصدق حواس زكريا من شدة الفرح: (أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ؟) فجاء الرد الإلهي القاطع: (قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).

طلب زكريا آية (علامة) لزيادة الطمأنينة، فكانت الآية هي "الصمت"؛ ألا يكلم الناس ثلاث ليالٍ سوياً إلا رمزاً.

  • الدرس الخفي: أحياناً يكون الصمت والسكينة هما أفضل طريق لاستقبال عطايا الله العظيمة.

4. يحيى.. "سيداً وحصوراً ونبياً"

​جاء "يحيى" للدنيا، ولم يكن طفلاً عادياً. سماه الله بنفسه، ولم يجعل له من قبل سمياً. أخذ الكتاب بقوة وهو صبي، كان حنوناً بوالديه، باراً بهما، زاهداً في الدنيا، لا يطلب جاهاً ولا مالاً.

كان يحيى هو "الفرحة" التي عوضت زكريا عن سنوات الصبر، وكان هو "الممهد" لرسالة عيسى عليه السلام.

  • الدرس في الرزق: عطاء الله عندما يأتي بعد صبر، يكون "مباركاً" ومختلفاً ومبهراً، تماماً كما كان يحيى معجزة في خلقه وفي خُلقه.

5. الثمن الباهظ والشهادة في سبيل الله

​لم تكن حياة زكريا ويحيى ممهدة بالورود، بل كانت صراعاً ضد الطغيان والفساد. يحيى عليه السلام وقف في وجه ملك ظالم أراد الزواج من امرأة لا تحل له، ودفع حياته ثمناً لكلمة الحق، فذُبح وقُدم رأسه مهراً لامرأة بغي. ولحق به والده زكريا شهيداً أيضاً.

  • الدرس القاسي: الابتلاء لا يعني غضب الله، بل قد يكون قمة الاصطفاء. هؤلاء الأنبياء علمونا أن "المبادئ" أغلى من الحياة نفسها، وأن الثواب الحقيقي ليس في الدنيا الفانية، بل في الخلود عند الله.

6. رسالة لكل قارئ (وقف لله)

  1. لا تيأس من روح الله: زكريا رُزق وهو في المئة من عمره، فلا تقل "فات الأوان" على حلمك أو رزقك.
  2. البركة في الذرية: ليس المهم كثرة المال، بل المهم "نوعية" الرزق؛ فيحيى كان ولداً واحداً لكنه كان يزن أمة بفضل صلاحه.
  3. الثبات على الحق: الرزق الحقيقي هو "السمعة الطيبة" والعمل الذي يبقى بعد الموت.

الخلاصة: اليقين هو المحرك

​إن قصة زكريا ويحيى هي رسالة أمل وقوة. تخبرنا أن القوانين المادية (السن، المرض، قلة المال) تسقط جميعاً أمام "إرادة الله". فإذا كنت تشعر بضيق في حياتك، تذكر أن الله قادر على تبديل حالك في لمحة بصر، فقط أخلص النية واطرق باب المحراب بالدعاء.

بقلم: جميل حماد

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
جميل حماد تقييم 5 من 5.
المقالات

34

متابعهم

58

متابعهم

162

مقالات مشابة
-