العشرة المبشرين بالجنة (٥) الزبير بن العوام رضي الله عنه.. حواري الرسول وفارس الإسلام
العشرة المبشرين بالجنة
(٥) الزبير بن العوام رضي الله عنه.. حواري الرسول وفارس الإسلام

يُعد الصحابي الجليل الزبير بن العوام رضي الله عنه واحدًا من أعظم رجالات الإسلام الذين جمعوا بين الإيمان الصادق والشجاعة النادرة، وقد نشأ في بيت عريق في الشرف والنسب، فهو ابن صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، مما جعله قريبًا من بيت النبوة منذ صغره، فتربى على معاني القوة والعزة والصدق، وكان من أوائل من أسلموا بدعوة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكان إسلامه مبكرًا وموقفه حاسمًا في نصرة الدين، ولم يتردد لحظة في الوقوف بجانب الحق رغم صغر سنه آنذاك، وقد عُرف منذ بداية حياته بلقب ابن عمة النبي، وهو لقب لم يكن مجرد نسب، بل كان انعكاسًا لقربه الروحي والتربوي من رسول الله ﷺ، حيث نشأ على يديه وتعلم منه معاني الإيمان والتضحية، فصار مثالًا للصحابي الذي يجمع بين شرف النسب وسمو العمل.
وقد نال الزبير رضي الله عنه منزلة عظيمة حين لقّبه النبي ﷺ بـ حواري الرسول، وهو لقب يدل على شدة الإخلاص والنصرة، فقد قال النبي ﷺ: “لكل نبي حواري، وحواريَّ الزبير”، كما وصفه أيضًا بقوله حوارّي من أمتي، وهي شهادة نبوية عظيمة تبرز مكانته الخاصة بين الصحابة، ولم يكن هذا اللقب مجرد تكريم لفظي، بل كان نتيجة مواقف حقيقية جسّد فيها الزبير أسمى معاني الولاء، فكان دائمًا حاضرًا في الشدائد، ثابتًا في المواقف الحرجة، مدافعًا عن النبي ﷺ بكل ما يملك، حتى أصبح رمزًا للفداء والتضحية، كما أنه كان من العشرة المبشرين بالجنة، وهي منزلة لا ينالها إلا من بلغ أعلى درجات الإيمان والعمل الصالح، وقد جمع بين هذه المنزلة وبين كونه من أحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليختاروا الخليفة من بعده، مما يدل على ثقة الصحابة فيه ورجاحة عقله وعلو شأنه.
ومن أبرز ما عُرف به الزبير بن العوام رضي الله عنه شجاعته الفائقة التي جعلته يُلقب بـ فارس الإسلام، فقد كان مقدامًا لا يهاب الموت، شديد البأس في القتال، ثابت القلب في مواجهة الأعداء، حتى أصبح اسمه مرادفًا للشجاعة في ميادين الجهاد، وكان من أوائل من أظهروا هذه الشجاعة حين سمع شائعة بمقتل النبي ﷺ، فخرج مسرعًا بسيفه، ليكون بذلك أول من سل سيفه في سبيل الله، وهو موقف يكشف عن مدى غيرته على الدين واستعداده للتضحية بنفسه في سبيل الدفاع عن رسول الله ﷺ، ولم يكن هذا الموقف عابرًا، بل كان بداية لمسيرة طويلة من الجهاد في سبيل الله، حيث شارك في جميع الغزوات تقريبًا، ولم يتخلف عن معركة يخوضها المسلمون، فكان دائم الحضور، قوي التأثير، عظيم الأثر.
وقد كان للزبير رضي الله عنه دور بارز في العديد من المعارك الكبرى التي خاضها المسلمون، فقد شارك في غزوة بدر، وهي أولى المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام، وأظهر فيها شجاعة نادرة وإيمانًا راسخًا، كما كان له دور مهم في غزوة الخندق، حيث انتدبه النبي ﷺ للاستطلاع وجمع المعلومات عن الأعداء، فكان أهلًا لهذه المهمة الخطيرة، مما يدل على ثقة النبي به وقدرته على تحمل المسؤوليات الصعبة، ولم تقتصر بطولاته على حياة النبي ﷺ، بل استمرت بعد وفاته، حيث شارك في الفتوحات الإسلامية الكبرى، وكان له دور عظيم في معركة اليرموك، التي أظهر فيها شجاعة فائقة ومهارة قتالية عالية، وساهم في تحقيق النصر على الروم، فكان من الأبطال الذين سطروا أروع صفحات المجد في تاريخ الأمة الإسلامية.
وقد تركت هذه المشاركات القتالية آثارها الواضحة على جسد الزبير رضي الله عنه، حتى عُرف بلقب صاحب الثلاثين طعنة، إذ كانت في جسده جراح كثيرة من كثرة ما خاض من معارك، وكل جرح منها كان شاهدًا على موقف من مواقف البطولة، ولم تكن هذه الجراح مصدر ضعف له، بل كانت وسام شرف يعتز به، ودليلًا على صدقه في نصرة الدين، وقد كان إذا تحدث عن هذه الجراح فإنه يربطها بمواقف الجهاد، فيذكر كيف أصيب وأين كان ذلك، مما يعكس اعتزازه بتلك التضحيات، ويُظهر كيف كان يرى في الجهاد شرفًا لا مثيل له، كما كان يتميز بحكمة في التعامل مع الأمور، فلم يكن مجرد مقاتل شجاع، بل كان صاحب رأي سديد وبصيرة نافذة، مما جعله موضع احترام الصحابة وتقديرهم.
وفي ختام سيرته العطرة، يبقى الزبير بن العوام رضي الله عنه نموذجًا متكاملًا للصحابي الذي جمع بين الإيمان والعمل، وبين القوة والرحمة، وبين الشجاعة والحكمة، فقد عاش حياته مدافعًا عن الإسلام، مخلصًا في نصرة النبي ﷺ، ثابتًا على الحق في كل المواقف، حتى لقي الله وهو على هذا الطريق، تاركًا خلفه سيرة عطرة تُلهم الأجيال وتُحيي في النفوس معاني التضحية والوفاء، وإن التأمل في حياته يجعلنا ندرك أن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالمناصب أو الألقاب، بل بما يقدمه الإنسان من مواقف صادقة وأعمال خالصة، وهو ما جسّده الزبير رضي الله عنه في أسمى صوره، فاستحق أن يكون من العشرة المبشرين بالجنة، وأن يُذكر اسمه في صفحات التاريخ كأحد أعظم فرسان الإسلام وأوفى رجال الدعوة.