باع صاحبه وأضحك النبي عاماً كاملاً

باع صاحبه وأضحك النبي عاماً كاملاً

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

image about باع صاحبه وأضحك النبي عاماً كاملاً

 

الصحابي الذي أضحك النبي صل الله عليه وسلم عاماً كاملاً

كيف كانت تبدو لحظات الفرح في مجتمع النبوة بعيداً عن ميادين القتال؟ الإجابة تكمن في قصة رجل واحد، ربما تظن أن حياتهم كانت سلسلة متصلة من الجدية الصارمة التي لا تعرف المزاح، الحقيقة المدهشة تخبرنا بغير ذلك تماماً. نحن بصدد الحديث عن شخصية فريدة، رجل كان بمثابة "أيقونة البهجة" في المدينة المنورة، وبسببه كان النبي صل الله عليه وسلم يضحك حتى تبدو نواجذه، إنه النعيمان بن عمرو الأنصاري، الصحابي الذي أثبت أن التدين لا يعني التجهم، وأن الروح تحتاج إلى "ترويح" كما تحتاج إلى "تراويح".

من هو النعيمان بن عمرو الأنصاري؟

النعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري، ليس مجرد شخصية عابرة في التاريخ الإسلامي، هو بدريّ من الطراز الأول، أي أنه شهد غزوة بدر الكبرى، وهي أعلى مرتبة تشريفية قد يحوزها صحابي، شارك في المشاهد كلها مع رسول الله صل الله عليه وسلم، وكان مقاتلاً شجاعاً في الميدان، لكنه في السلم كان "ملك المقالب" بلا منازع.

لم يكن النعيمان مجرد رجل يلقي النكات، بل كان يمتلك ذكاءً اجتماعياً حاداً، استخدم هذا الذكاء في صناعة مواقف كوميدية ارتجالية، أحبه النبي صل الله عليه وسلم حباً جماً، قال عنه النبي صل الله عليه وسلم: "إنه ليدخل الجنة وهو يضحك".

مدرسة النعيمان: كيف كان يضحك النبي صل الله عليه وسلم؟

تميزت "مقالب" النعيمان بأنها كانت تحدث في حضرة النبي صل الله عليه وسلم أو تنتهي بين يديه. لم يكن يهدف إلى الإيذاء أو الكذب الضار، بل كان يبحث عن المداعبة اللطيفة التي تكسر حدة الحياة اليومية.

مقلب سويبط والبيع العجيب

في رحلة تجارية إلى بصرى مع أبي بكر الصديق، حدث موقف لا ينسى، كان سويبط بن حرملة هو المسؤول عن الزاد، ورفض أن يعطي النعيمان طعاماً إلا بأمر أبي بكر، لم يغضب النعيمان بالمعنى التقليدي، بل قرر الانتقام بفكاهة، ذهب إلى تجار إبل وأخبرهم أن لديه عبداً قوياً للبيع، لكنه حذرهم: "إنه ذو لسان، وسيدعي أنه حر، فلا تصدقوه". باع سويبط بعشر قلوص (ناقة صغيرة)، وعندما جاء التجار ليأخذوا سويبط، صرخ: "أنا حر!"، فردوا عليه ببرود: "قد أخبرنا صاحبك أنك ستقول ذلك"،  لم ينتهِ المشهد عند رحيل القوم بسويبط؛ فبعد فترة وجيزة، عاد أبو بكر الصديق رضي الله عنه من جولته، ليفاجأ باختفاء سويبط، المسؤول الأول عن الزاد. سأل أبا بكر بلهفة: "أين سويبط؟"، فما كان من النعيمان إلا أن أجاب ببرود وثبات يثيران الدهشة: "لقد بعته!".

ظن الصديق في البداية أنها واحدة من دعابات النعيمان المعتادة، لكنه سرعان ما أدرك جدية الأمر حين رأى التجار يسوقون سويبط بعيداً. لم يتردد أبو بكر، فلحق بالقوم على الفور، وشرح لهم الموقف موضحاً أن "البائع" كان يمزح، وأن "المُباع" هو أحد أكابر الصحابة وأحرارهم، لم يقبل التجار بإعادة سويبط بسهولة؛ فقد دفعوا ثمناً باهظاً في "غلام" رأوا فيه القوة والجلد. وبعد أخذٍ ورد، اضطر أبو بكر الصديق إلى دفع عشر قلائص أخرى فوق العشر التي قبضها النعيمان، ليقنعهم بفك وثاق سويبط وإبطال عملية البيع الغريبة هذه.

عاد الجميع إلى القافلة، وسويبط يغلي غضباً من هذا الموقف المحرج، بينما النعيمان لا يكاد يمسك نفسه من الضحك، معتبراً أن "الهدف" قد تحقق؛ فقد نال غيظ سويبط الذي حرمه الطعام، بمجرد أن حطّت القافلة رحالها في المدينة، رُويت القصة كاملة لرسول الله صل الله عليه وسلم، وهنا حدث ما لم يتوقعه أحد؛ فبدلاً من أن يغضب النبي صل الله عليه وسلم من تصرف النعيمان الجريء، غلبه الضحك حتى بدت نواجذه، لم يكتفِ النبي صل الله عليه وسلم بالضحك في تلك اللحظة فحسب، بل ظل هو وأصحابه يضحكون من هذه الواقعة كلما ذُكرت أمامهم لمدة عام كامل.

ورطة الأعرابي

من أعجب طرائف النعيمان، أن أعرابياً قدم إلى النبي صل الله عليه وسلم ودخل المسجد وترك ناقته في الفناء. فالتفت بعض الصحابة إلى النعيمان قائلين: "لو نحرت هذه الناقة فأكلناها، فإنا قد قرمنا (اشتهينا) اللحم، والنبي صل الله عليه وسلم يغرم ثمنها".

لم يتردد النعيمان، فنحر الناقة ووزع لحمها! وعندما خرج الأعرابي وصاح "وا ناقتاه!"، خرج النبي صل الله عليه وسلم  وسأل: “من فعل هذا؟”، فقالوا: النعيمان.

بحث النبي صل الله عليه وسلم عنه فوجده قد اختبأ في خندق صغير وغطى نفسه بجريد النخل. وعندما وجده النبي صل الله عليه وسلم، كان وجه النعيمان قد تلطخ بالتراب، فسأله صل الله عليه وسلم  وهو يبتسم ويمسح التراب عن وجهه: "ما حملك على ما صنعت؟"، فأجاب النعيمان بذكائه المعهود: "الذين دلوك عليّ يا رسول الله، هم الذين أمروني بذلك!". فضحك النبي صل الله عليه وسلم ودفع ثمن الناقة للأعرابي.

هدايا بلا رصيد

كان النعيمان يدخل المدينة، فيرى الطعام النفيس أو الفاكهة النادرة، فيشتريها من التاجر "ديناً"، يذهب بها إلى النبي صل الله عليه وسلم ويقول: "هذه هدية لك يا رسول الله"، فإذا جاء صاحبها يطالب بالثمن، أخذ النعيمان التاجر إلى النبي صل الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، أعطِ هذا ثمن بضاعته"، فيسأله النبي صل الله عليه وسلم متعجباً: "ألم تهدها لي؟"، فيجيب بكل براءة: "إنه لم يكن معي ثمنها، وأحببت أن تأكلها"، فكان النبي صل الله عليه وسلم يضحك ويأمر بسداد الثمن.

لماذا نحتاج لدراسة شخصية النعيمان اليوم؟

 الإجابة تكمن في "التوازن النفسي"، الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق، ومن الأخلاق أن تكون هيناً ليناً بشوشاً.

 1. كسر حدة التوتر الاجتماعي: المجتمع المدني كان يمر بظروف بناء وحروب وضغوط، وجود شخصية كالنعيمان كان يعمل كصمام أمان لتفريغ الشحنات السلبية.

 2. توطيد العلاقة بالقائد: مزاح النعيمان مع النبي صل الله عليه كسر الحاجز النفسي بين الحاكم والمحكوم، وأظهر الجانب الأبوي والرحيم في شخصية الرسول صل الله عليه وسلم.

 3. الصدق في المزاح: رغم كل المقالب، لم يكن النعيمان ينسب للنبي صل الله عليه وسلم قولاً لم يقله، ولم يكن يسرق، بل كانت مواقفه تقوم على "المفارقة".

ضوابط الضحك

قد يتساءل البعض: هل كل ما فعله النعيمان مسموح به شرعاً؟ الفقهاء استنبطوا من حياة النعيمان "أدب المزاح".

 عدم الترويع: لم يكن النعيمان يروع آمناً بقصد الأذى النفسي المستمر.

 القصد الحسن: كان يهدف دائماً إلى إضحاك النبي صل الله عليه وسلم وإدخال السرور عليه.

 قبول الطرف الآخر: كان الصحابة يعرفون طبيعة النعيمان ويقبلونها، وهو جزء من "العرف الاجتماعي".

الدروس المستفادة 

تربوياً، يمكننا استخدام قصصه لتعليم الأطفال أن الدين ليس "عبوساً". 

5 أشياء لا تعرفها عن النعيمان بن عمرو

 المقاتل الشرس: رغم فكاهته، كان من أبطال بدر وأحد فرسان الأنصار المعدودين.

 حب النبي له: رُوي أن رجلاً لعن النعيمان بسبب كثرة مزاحه (أو لشربه الخمر في إحدى المرات)، فزجره النبي صل الله عليه وسلم وقال: "لا تلعنه، فوالله ما علمتُ إلا أنه يحب الله ورسوله".

 الاستمرارية: ظل النعيمان يمارس فكاهته حتى في عهد الخلفاء الراشدين، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يناله من مداعباته نصيب.

 الذكاء اللغوي: كان يستخدم التورية واللفظ المشترك للإيقاع بالآخرين في فخ الفكاهة.

 القدرة على التخفي: في واقعة "الناقة"، استطاع التخفي عن أعين الجميع بذكاء ميداني، مما يدل على مهاراته العسكرية.

لماذا ترفض الذاكرة الإسلامية نسيان مداعبات النعيمان؟

إن بقاء سيرة النعيمان حيةً حتى اليوم هو اعترافٌ ضمني بأن القلوب لا تحيا بالوعظ وحده، فالضحك حياة، والابتسامة عبادة.

إن دور النعيمان في التاريخ الإسلامي يتخطى مجرد إضحاك الحاضرين، فهو يمثل القالب الإنساني الذي صهر فيه الإسلام الجدية مع الهزل في توازنٍ مذهل، لقد كان روحاً تحيي القلوب، هو الرسالة التي تقول لنا إن الطريق إلى الله لا يمر بالضرورة عبر الوجوه المكتئبة، لقد استطاع هذا الصحابي الجليل أن يحول اليومي والمألوف إلى لحظات خالدة من البهجة.

لم يكن النعيمان مجرد عابرٍ في التاريخ، بل خلّده الإسلام بلقبٍ فريد هو 'مضحك النبي'، ليظل دليلاً حياً على أن الدين يسر. إننا في حاجة اليوم إلى استعادة "روح النعيمان" في تعاملاتنا، وفي كتاباتنا، وفي نظرتنا للدين والحياة؛ فليكن شعارنا دائماً: "روّحوا القلوب".

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
سلمى تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

1

متابعهم

0

مقالات مشابة
-