الرضا أم الاستسلام؟ الفرق الذي يغيّر طريقة عيشك للحياة

الرضا أم الاستسلام؟ الفرق الذي يغيّر طريقة عيشك للحياة
في لحظات التعب والانكسار، كثيرًا ما تتردد على مسامعنا كلمات مثل: “ارضَ بما كُتب لك”، أو “استسلم للأمر الواقع”. ومع كثرة استعمال هذه العبارات، اختلط على الناس معنى الرضا بمعنى الاستسلام، حتى أصبح البعض يظن أنهما شيءٌ واحد، بينما بينهما فرقٌ شاسع يشبه الفرق بين القلب الحي والقلب المنطفئ.
فالرضا لا يعني أبدًا أن يتوقف الإنسان عن السعي، ولا أن يقبل الظلم أو الفشل أو الأذى بصمتٍ دائم، كما أن الاستسلام ليس صبرًا ولا حكمة كما يظنه البعض. الرضا حالة إيمانية قوية، أما الاستسلام فهو غالبًا حالة ضعف وانكسار داخلي.
الإنسان الراضي قد يبكي، وقد يتألم، وقد يحاول مرارًا وتكرارًا، لكنه في أعماقه يعلم أن الله حكيم، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه. لذلك يبقى قلبه مطمئنًا حتى وهو يحارب ظروفه. أما المستسلم، فإنه يتوقف عن المقاومة أصلًا، ويقنع نفسه أن لا شيء سيتغير، فيعيش مهزومًا قبل أن تبدأ المعركة.
الرضا لا يُلغي الحزن. حتى الأنبياء حزنوا وبكوا وتألموا. لكن الفارق أن الحزن عندهم لم يتحول إلى اعتراض على قدر الله، ولم يمنعهم من الاستمرار في الطريق. سيدنا يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضّت عيناه من الحزن على يوسف، ومع ذلك لم يفقد الأمل، ولم يقل إن الحياة انتهت، بل ظل ينتظر الفرج بقلبٍ مؤمن. هذا هو الرضا الحقيقي؛ أن يتعب قلبك، لكن يبقى يقينك حيًّا.
أما الاستسلام، فهو أن يُطفئ الإنسان نور المحاولة داخله. أن يخسر مرة، فيقرر ألا يحاول مجددًا. أن يُخذل من شخص، فيغلق قلبه تمامًا. أن يفشل في طريق، فيقتنع أنه لن ينجح أبدًا. المستسلم لا يثق بنفسه، ولا يرى أبوابًا للفرج، ولذلك يعيش أسيرًا لليأس.
والفرق الأكبر بينهما أن الرضا يصنع السلام، بينما الاستسلام يصنع العجز.
فالإنسان الراضي يشعر براحة داخلية حتى وسط الفوضى، لأنه يعلم أن أقدار الله ليست عبثًا، وأن كل تأخير يحمل حكمة، وكل ألم وراءه معنى قد لا نراه الآن. لذلك لا يتحول قلبه إلى ساحة غضب واعتراض دائم. لكنه في الوقت نفسه لا يتوقف عن السعي، لأنه يعلم أن الأخذ بالأسباب عبادة، وأن الله أمر الإنسان بالعمل لا بالجمود.
أما المستسلم، فإنه يستخدم القدر أحيانًا كذريعة للهروب من المواجهة. فيقول: “هذا نصيبي”، بينما هو لم يحاول أصلًا أن يغير واقعه. ويقول: “لا فائدة”، قبل أن يطرق الأبواب. وهنا يتحول الاستسلام إلى قيد يمنع الإنسان من النمو والتغيير.
ومن أخطر ما يفعله الخلط بين الرضا والاستسلام، أنه يجعل بعض الناس يقبلون الإهانة أو الظلم بحجة الصبر والرضا. بينما الدين لم يأمر الإنسان أن يكون ضعيفًا أو مهانًا، بل أمره أن يحفظ كرامته ويسعى للإصلاح ويطلب حقه بالحكمة. فالرضا بالقضاء لا يعني الرضا بالظلم، والسكوت عن الخطأ ليس دائمًا فضيلة.
وقد يكون الإنسان راضيًا وهو يقاتل من أجل حلمه، ويبدأ من جديد بعد كل سقوط، ويقاوم كل خوف داخله. لأن الرضا الحقيقي ليس توقفًا عن الحياة، بل ثقة بالله أثناء خوض الحياة.
تأمل أولئك الذين مرّوا بظروف قاسية ثم نهضوا بعدها أقوى. هؤلاء لم يكونوا مستسلمين، بل كانوا راضين. تقبلوا الألم، لكنهم لم يسمحوا له أن يهزمهم. عرفوا أن بعض الأقدار لا يمكن تغييرها، لكن طريقة التعامل معها يمكن أن تغيّر كل شيء.
فالمرض مثلًا قد يكون قدرًا، لكن الاستسلام له يختلف عن الرضا به. الراضي يتعالج ويدعو ويأخذ بالأسباب ويؤمن أن الشفاء بيد الله، أما المستسلم فقد يترك نفسه للانهيار بحجة أن الأمر انتهى.
وكذلك الفشل؛ الراضي يتعلم من سقوطه ويبدأ مجددًا، أما المستسلم فيجعل من الفشل هوية يعيش بها بقية عمره.
وفي النهاية، يمكن القول إن الرضا قوة، أما الاستسلام فغالبًا هزيمة داخلية. الرضا يُعلّم الإنسان كيف يطمئن رغم العواصف، وكيف يبتسم رغم التعب، وكيف يسعى دون أن يتعلق قلبه بالنتائج. أما الاستسلام فيسرق من الإنسان شغفه وإرادته وقدرته على النهوض.
فارْضَ بالله، لكن لا تستسلم لليأس.
وابكِ إن تألمت، لكن لا تنطفئ.
وحاول مرةً بعد مرة، فربما كان الفرج مختبئًا خلف المحاولة الأخيرة.