مولد أعظم خلق عرفته البشرية و خاتم الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد الجزء الأول
مولد و نشأة وعمل و تعبد النبي محمد ﷺ في غار حراء

المقدمة
ولد النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم في مكة صباح يوم الأثنين من شهر أبريل عام 571م. ويوم مولده رأت أمه آمنة أن نوراً قد خرج منها أضاءت له قصور الشام. وتصدع إيوان كسرى ملك الفرس فسقطت منه أربع عشرة شرفة. و خمدت نار التي يعبدها المجوس. استبشر عبد المطلب جد النبي ﷺ و تهلل وجهه عندما سمع نبأ ميلاد حفيده فحمله ودخل به الكعبة و دعا له و سماه محمداً. وكان من عادة أشراف مكة أن يرسلوا صغارهم إلى البادية لإرضاعهم من نسائها لتقوى أجسامهم و تتفتح عقولهم و ليتعلموا فصاحة اللسان.
مربية النبي ﷺ
و كان الشرف العظيم من نصيب مرضعة من بني سعد بن بكر اسمها حليمة بنت ذؤيب زوجة الحارث بن عبد العزى الذي يعرف بأبي كبشة. وعم الخير الوفير بيت حليمة و عندما أتم النبيﷺ أربع سنوات و بينما كان يلعب مع غلمان البادية جاءه الملك جبريل فشق صدره و استخرج منه علقة و طهره و عندما سمعت حليمة بالخبر خافت عليه فأعادته إلى أمه.
وفاة أم النبي
أتم النبي ﷺ ست سنوات فخرجت به أمه و برفقتها أم أيمن جاريتها لزيارة بني النجار أخوال (جمع خال )النبي ﷺ في يثرب و هناك عرفته البيت الذي مات فيه أبوه (قبل مولده)ﷺ و حدثته عن مسيرته العطرة. و بعد مرور شهر من تلك الزيارة عادت أمه من رحلتها و في الطريق أحاط بها مرض شديد فماتت و دفنت بالأبواء وهي قرية بين مكة و يثرب.
موقف جده و عمه بعد وفاة أمه ﷺ
فرجع ﷺ و شعر بمرارة اليتم بعد أن فقد أباه الذي لم يره و أمه التي تركته صغيراً. كفله جده عبد المطلب و رعاه و فضله على أولاده و كان يرى أن حفيده سيكون له شأن عظيم. ولكن عبد المطلب توفي بمكة و كان عمر النبيﷺ ثماني سنوات فكفله عمه أبو طالب و ضمه إلى أبنائه و عندما أتم النبي ﷺ اثنى عشر سنة سافر مع عمه أبي طالب في أول رحلة تجارية له إلى الشام.
علامة النبوة
و عندما وصلت القافلة إلىى مكان يسمى بصرى خرج عليهم راهب اسمه بحيرا نظر للنبي ﷺ وأخذ بيده و قال: هذا سيد العالمين. هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقال أبو طالب: وما علمك بهذا؟ قال بحيرا: إنكم حين أشرفتم من عقبة لم يبق حجر ولا شجرة إلا وخر ساجداً. وإنى أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف عنقه مثل التفاحة. وإنا نجده في كتبنا. و سأل أبا طالب أن يرده. ولا يقدم به إلى الشام خوفاً عليه من اليهود. فبعثه عمه مع بعض غلمانه و عاد إلى مكة.
كانت ديانة بحيرا هي المسيحية (غير المحرفة).
عمل النبيﷺ
اشتغل النبيﷺ في صباه برعي الغنم في مكة و كان مسروراً بتلك المهنة حتى أنه عندما بعث نبياً تذكر هذه الأيام وقال: (بعث موسى وهو راعي غنم. وبعث داوود و هو راعي غنم و بعثت وأنا أرعى غنم أهلي بأجياد). و قد منحته هذه المهنة وقتاً للتأمل في ملكوت الله الفسيح و علمته الصبر و الحكمة و الصدق و الأمانة حتى أطلق عليه أهل مكة لقب الصادق الأمين. وفي الخامسة و العشرين من عمره خرج تاجراً إلى الشام فقد استأمنته السيدة خديجة بنت خويلد و أسندت إليه الإشراف على تجارتها لما علمته عنه من أخلاقه الكريمة و أمانته العظيمة. و انطلق الصادق الأمين برفقة ميسرة غلام السيدة خديجة و عادت الرحلة بخير وفير ما كسبته السيدة خديجة من قبل. وحكى لها غلامها ميسرة ما رآه بعينه و سمعه بأذنه خلال تلك الرحلة التي زادته معرفة بأخلاق محمد ﷺ وصدقه وأمانته و بركته و سعة صدره.
زواج النبيﷺ من خديجة بنت خويلد
حتى أن السيدة خديجة رضي الله عنها رغبت في الزواج منه فأرسلت تطلب زواجه و كانت أغنى أغنياء مكة و أجمل نسائها و رفضت الزواج من أشراف مكة بعد وفاة زوجها. وعرض النبيﷺ الأمر على أعمامه فوافقوا و أقبلوا على بيت خديجة يطلبونها من عمها عمر بن أسد. و تزوج النبيﷺ من السيدة خديجة رضي الله عنها. وكان عمره حينئذ خمسة و عشرين عاماً كانت هي تبلغ من العمر أربعين عاماً. ولم يتزوج النبيﷺ حتى ماتت و أنجبت له القاسم و رقية و أم كلثوم و فاطمة و عبدالله. مات بنوه كلهم في صغرهم أمام عينه أما البنات فأدركن الإسلام و أسلمن و هاجرن معه إلى المدينة و توفاهن الله في حياته سوى فاطمة رضي الله عنها فقد توفيت بعد أبيها ﷺ بستة أشهر.
تعبد النبي في غار حراء
كانت قريش تعبد الأصنام و هي عبارة عن حجارة و أشجار صوروها على هيئة بشر ووضعوها في جوف الكعبة وحولها وكان “هبل” أعظمها شأناً عندهم. يليه أصنام و اللآت و العزى و مناة. و اعتقدوا أن أصنامهم تقضي حوائجهم و تمنع عنهم الظلم. غير أن الظلم ساد أنحاء مكة ولم تمنعه أصنامهم فالناس أصبحوا أسياداً و عبيداً و انتشرت العادات السيئة كشرب الخمر و لعب الميسر و المعاملة بالربا و وأد البنات(دفن البنات أحياءاً خوفاً من العار و الفقر). وسيطرت عليهم الخرافات و الأوهام على عقول الناس و ذلك ما جعل الصادق الأمين ﷺ يختار العزلة. غير راضعن هذه الحياة الكريهة التي يعيشها قومه. ولما قارب سنه الأربعين و في شهر رمضان من كل عام حمل النبي ﷺ قليل من الطعام و الماء و صعد بهم إلى أعلى الجبل . و دخل غار حراء الذي عرف فيما بعد بجبل النور. وفي الغار ظل النبي ﷺ يتعبد و يتأمل في ملكوت الله الفسيح فإذا ما حل الليل نظر للسماء فوجد قمرها و نجومها و كواكبها و إذا ما طلعت الشمس ملأ نورها الأرض و عم الدفء. وإذا تحركت الرياح و ساقت الغيوم و نزل المطر و نبتت الأرض ورزق الله الطير و الحيوان و الإنسان الذي خلقه الله في أحسن صورة و أحياه و أماته فمن سيحاسبه على حسناته و سيئاته؟
وظل النبي ﷺ على هذا الحال يتدبر في قدرة الله عز و جل في هذا المكان البعيد عن ضجيج الناس و انشغالهم بصغائر الأمور و وثينتهم…
و هكذا هيأ الله سبحانه و تعالى نبيه ﷺ لتلقي الأمانة قبل تكليفه بها بثلاث سنوات لينقذ أهله و البشرية كلها من الشرك و الوثنية و ليخرجها من الظلمات إلى النور.