لماذا نظهر اكتافنا كمسلمين في الإحرام
سبب إظهار المسلمين الكتف أثناء الإحرام

يُعد إظهار الكتف أثناء الإحرام، والذي يُعرف في الفقه الإسلامي باسم الاضطباع، من السنن الواردة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في بعض مناسك الحج والعمرة، وليس في جميع أعمال الإحرام كما يظن بعض الناس. فالاضطباع يكون عند طواف القدوم أو الطواف الذي يعقبه السعي، حيث يجعل الرجل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن، ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر، فيبقى الكتف الأيمن مكشوفًا أثناء الطواف فقط، ثم يعيد الرداء إلى وضعه الطبيعي بعد انتهاء الطواف.
ويرجع سبب هذه السنة إلى حادثة وقعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قدم المسلمون إلى مكة لأداء عمرة القضاء في السنة السابعة للهجرة، بعد صلح الحديبية. فقد كان المشركون يتحدثون فيما بينهم قائلين إن المسلمين قد أضعفتهم حمى المدينة وأصبحوا غير قادرين على القتال أو التحمل. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُظهر للمشركين قوة المسلمين وثباتهم، فأمر أصحابه أن يكشفوا أكتافهم اليمنى أثناء الطواف، وأن يسرعوا في الأشواط الثلاثة الأولى فيما يُعرف بـ"الرَّمَل"، ليُظهروا القوة والنشاط أمام من كان يراقبهم من قريش.
وقد استجاب الصحابة رضي الله عنهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فطافوا بالبيت الحرام وهم يكشفون أكتافهم اليمنى ويمشون بخطوات قوية وسريعة في الأشواط الثلاثة الأولى، فأدرك المشركون أن المسلمين يتمتعون بالقوة والعزيمة، وأن ما كانوا يرددونه لم يكن صحيحًا. ومنذ ذلك الحين أصبح الاضطباع والرمل من السنن الثابتة التي يقتدي فيها المسلمون برسول الله صلى الله عليه وسلم، اتباعًا له وامتثالًا لأوامره، حتى وإن زال السبب الذي وقع من أجله أول مرة.
ويؤكد العلماء أن الاضطباع خاص بالرجال دون النساء، لأن المرأة مأمورة بالستر في جميع أحوالها، كما أن الاضطباع لا يكون طوال مدة الإحرام، بل يقتصر على الطواف الذي شُرع فيه، ثم يعود المحرم إلى تغطية كتفيه بعد انتهاء الطواف، وخاصة عند أداء الصلاة، إذ يُستحب أن يكون الرداء على الكتفين أثناء الصلاة.
وتُظهر هذه السنة أن الإسلام يجمع بين العبادة والطاعة والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن كثيرًا من الشعائر تحمل حكمًا ومعاني تربوية عظيمة، منها إظهار قوة المسلمين ووحدتهم، وترسيخ مبدأ طاعة الرسول الكريم في كل ما أمر به. كما أن الاضطباع يذكّر المسلمين بالأحداث التاريخية التي مر بها الإسلام في بداياته، وكيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه التحديات بالحكمة والثبات والإيمان.
ومن الدروس المستفادة من هذه السنة أن المسلم يلتزم بما شرعه الله ورسوله، سواء عرف الحكمة كاملة أم لم يعرفها، لأن الأصل في العبادة هو الاتباع. كما تعلمنا هذه السنة أن الإسلام دين عزة وكرامة، وأن المؤمن يجمع بين حسن العبادة وقوة الشخصية، مع التواضع والالتزام بآداب الدين.
وفي الختام، فإن إظهار الكتف أثناء الإحرام ليس مجرد مظهر شكلي، بل هو سنة نبوية لها أصل تاريخي وحكمة شرعية، ترتبط بإحياء هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم واتباع سنته. ويحرص المسلمون على تطبيقها أثناء الطواف اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشعارًا لمعاني الطاعة والوحدة والقوة التي جسدها الإسلام منذ فجر الدعوة، لتبقى هذه الشعيرة شاهدًا على عظمة الشريعة الإسلامية ودقة أحكامها وارتباطها بسيرة النبي الكريم.