بين العطاء والمنع… أين يكون إكرام الله؟
1. الابتلاء ليس دائمًا في صورة الألم:•
يقول الله تعالى في سورة الفجر:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾
اللافت في الآيتين أن الله سبحانه وتعالى سمّى العطاء والمنع كليهما ابتلاءً؛ فالإنسان قد يُختبر بالنعمة كما يُختبر بالمحنة، وقد يكون المال والصحة والجاه والنجاح امتحانًا لا يقل صعوبة عن الفقر والمرض والتعثر.
فالابتلاء في مفهوم القرآن أوسع من أن يكون مجرد مصيبة أو ألم؛ إنه اختبار للإنسان فيما أعطاه الله، وفيما منعه عنه، وفي كيفية تعامله مع الحالتين.
لكن الإنسان كثيرًا ما يقيس محبة الله له بما يراه من أحوال الدنيا؛ فإذا اتسع رزقه، وتيسرت أموره، ونجح في عمله، قال: ربي أكرمني. وإذا ضاق عليه رزقه، أو فقد شيئًا يحبه، أو مرّ بمرض أو فشل، قال: ربي أهانني.
وهنا يأتي التصحيح الإلهي الحاسم:
﴿كَلَّا﴾
أي ليس الأمر كما تظنون، فليس كل عطاء دليل إكرام، وليس كل منع دليل إهانة
.2. العطاء قد يكون اختبارًا: •
كم من إنسان ظن أن كثرة ما عنده دليل على أنه أفضل عند الله من غيره، فاغترّ بما أوتي، ونسي أن النعمة نفسها مسؤولية وامتحان.
يقول الله تعالى عن قارون:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾
لقد أعطي قارون من المال ما يفوق الوصف، حتى أصبحت مفاتيح خزائنه نفسها ثقيلة على الرجال الأقوياء، لكنه لم يفهم أن المال نعمة تستوجب الشكر، وإنما رآه دليلًا على استحقاقه وفضله.
فماذا كانت النهاية؟
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾
فالمال الكثير لم يكن دليلًا على رضا الله عنه، كما أن نهايته لم تكن لأن الفقر كان ينقصه، وإنما لأن النعمة لم تُقابل بالشكر والطاعة.
وهذا درس عظيم: قد يعطيك الله ما تتمنى، ثم يكون ما أعطاك إياه امتحانًا لك: هل تشكر؟ هل تتواضع؟ هل تنفع به غيرك؟ هل تتذكر المنعم أم تنشغل بالنعمة عن المنعم؟
3. والمنع قد يكون رحمة وإكرامًا: •
وفي المقابل، قد يحزن الإنسان على شيء مُنع منه، ولا يعلم أن الخير كله ربما كان في هذا المنع.
كم من أمر تمنيناه بشدة، ثم اكتشفنا بعد سنوات أن عدم حصولنا عليه كان رحمة من الله.
وكم من باب أُغلق في وجوهنا، فظنناه شرًا، ثم فتح الله لنا بعده أبوابًا لم نكن نتوقعها.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
فالإنسان ينظر إلى اللحظة، أما الله سبحانه فيعلم البداية والنهاية، ويعلم ما لا نعلم، ويرى الصورة كاملة بينما نحن لا نرى إلا جزءًا صغيرًا منها.
لذلك، لا تجعل فقدان شيء تحبه دليلًا على أن الله غاضب منك، فقد يكون المنع عين العطاء، وقد يكون التأخير عين الحكمة، وقد يكون الطريق الذي أغلق أمامك حماية لك من طريق لم يكن فيه خير
.4. بين سليمان وأيوب عليهما السلام: •
ومن أعظم ما يوضح هذه الحقيقة أن الله تعالى أعطى نبيه سليمان عليه السلام ملكًا عظيمًا، قال سبحانه:
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾
فكان الملك الواسع الذي أُعطي لسليمان عليه السلام نعمة عظيمة، لكنه لم يكن مجرد متاع دنيوي، بل كان اختبارًا ومسؤولية، وقد استعمله سليمان في طاعة الله وإقامة الحق.
وفي المقابل، ابتلى الله عبده أيوب عليه السلام ابتلاءً شديدًا، وفقد من النعم ما كان حوله، ومع ذلك لم يكن ذلك دليلًا على هوانه عند ربه.
بل أثنى الله عليه ثناءً عظيمًا فقال:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
فانظر إلى الميزان الحقيقي: ليس مقدار ما تملك، ولا مقدار ما فقدت، وإنما كيف كان قلبك مع الله في الحالين.
قد يكون الإنسان غنيًا وهو بعيد عن الله، وقد يكون فقيرًا وهو من أحب عباد الله إليه، وقد يكون صحيحًا فتكون صحته سببًا في طغيانه، وقد يكون مريضًا فتكون محنته سببًا في قربه من ربه.
5. كلمة «كلا» وتصحيح مفهوم الإكرام والإهانة: •
ثم تأتي كلمة كلا
وكأن الله سبحانه وتعالى يصحح للإنسان هذا الميزان الخاطئ الذي وضعه لنفسه.
ليس معنى أن الله أعطاك أنك أفضل من غيرك.
وليس معنى أنه منع عنك أنك أقل قدرًا عنده.
إنما الدنيا دار ابتلاء، وليست دار جزاء نهائي.
قد يُعطى الإنسان المال ليمتحن فيه، وقد يُمنع منه ليمتحن في صبره. وقد يُعطى الصحة ليمتحن في شكره، وقد يُبتلى بالمرض ليرى صدقه وصبره ورجوعه إلى الله.
ولهذا فإن المعيار الحقيقي ليس: ماذا أعطاني الله؟
بل: ماذا فعلت بما أعطاني الله؟
وليس السؤال: لماذا منعني الله؟
بل: كيف سيكون حالي مع الله فيما منعني؟
فإذا أعطاك، فاشكر.
وإذا منعك، فاصبر.
وإذا أذنبْت، فاستغفر.
وإذا أقبلت عليك الدنيا، فلا تغتر.
وإذا أدبرت عنك، فلا تيأس
.6. الحمد لله في السراء والضراء: •
وهنا يصل بنا الأمر إلى أعظم حكمة: أن يكون القلب متعلقًا بالله في كل الأحوال.
أن تقول: الحمد لله حين تُعطى، وأن تقولها حين تُمنع.
أن تثق أن اختيار الله لك خير من اختيارك لنفسك، وأن تعلم أن وراء كل قدر حكمة، حتى وإن عجزت عن إدراكها في اللحظة نفسها.
فكم من نعمة جعلتنا نعرف الله أكثر، وكم من محنة جعلتنا نعود إليه بعد غفلة، وكم من خسارة كشفت لنا حقيقة الدنيا، وكم من تأخير علّمنا الصبر، وكم من منع حفظنا من شر لم نكن نراه.
لذلك لا تجعل علاقتك بالله معلقة بما يحدث لك في الدنيا.
لا تقل: إذا أعطاني الله فهو يحبني، وإذا منعني فهو لا يريدني.
بل قل في كل الأحوال:
ربي أعلم بي، وربّي أرحم بي، وربّي أكرم بي، وربّي أختار لي ما هو خير.
الحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما منع، والحمد لله على ما قدّر، والحمد لله في السراء والضراء.
سبحانك يا ربنا، لك الحمد والشكر حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
اللهم لك الحمد حمدًا لا ينفد أوله، ولا ينقطع آخره.
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.(دعاء ممن االأحاديث االنبوية)
اللهم ارزقنا قلوبًا شاكرة في النعمة، صابرة عند البلاء، راضية بقضائك، مطمئنة بحكمتك، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، واجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر.
وفي النهاية أختتم بقول االشاعر: •
إلهي…….
إذا كنت في كل حالٍ معي… فعن حمل زادي أنا في غني
أتيناكَ بالفقرِ يَاذا الغِنَى ** وأنتَ الذي لَم تَزلْ مُحسِنا
وعوّدتنا كل فضلٍ عسى ** يدومُ الذي مِنك عوَّدتنا
فهل يا سيدي فرجٌ قريبُ ** وصِل حبلي بحبلِ رضاك
وانظر إليّ وتُبْ عليّ ** عسى أتوبُ يا رب ❤

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق