رسالة سورة النازعات

رسالة سورة النازعات

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about رسالة سورة النازعات

 

سورة النازعات يومٌ تنتهي فيه الدنيا وتظهر الحقيقة كاملة

هل تتخيل أن يأتي يوم ينتهي فيه كل شيء اعتدت عليه؟

البيت الذي تعيش فيه، المال الذي تجمعه، العمل الذي تنشغل به، والأشخاص الذين حولك... كل ذلك يصبح من الماضي، وتبدأ لحظة مختلفة تمامًا: لحظة الوقوف بين يدي الله.

سورة النازعات تأخذنا بقوة إلى هذا المشهد، وتذكرنا بحقيقة نحاول أحيانًا أن ننشغل عنها: الموت والبعث والقيامة حق، والدنيا مهما طالت فهي قصيرة.

وتبدأ السورة بأقسام قوية:

﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ۝ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ۝ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾

وقد اختلف المفسرون في المراد بهذه الأوصاف، فقيل إنها الملائكة، وقيل غير ذلك، لكن السياق ينتقل بعدها مباشرة إلى الحديث عن يوم القيامة والبعث.

 

هل سنعود بعد الموت؟

كان المشركون يستبعدون فكرة البعث، ويتساءلون كيف يمكن للإنسان أن يعود للحياة بعدما يصبح عظامًا وترابًا.

ولهذا تقول السورة:

﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً ۝ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾

كانوا يرون العودة بعد الموت أمرًا مستبعدًا.

لكن القرآن يرد على هذا التفكير بطريقة واضحة: الذي خلق الإنسان أول مرة قادر على أن يعيده مرة أخرى.

ثم تصف السورة لحظة عظيمة:

﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ۝ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾

زجرة واحدة، فإذا بالناس قد بعثوا وخرجوا للحساب يوم القيامة.

 

قصة موسى وفرعون

بعد الحديث عن القيامة، تنتقل السورة إلى قصة نعرفها جيدًا: قصة موسى عليه السلام مع فرعون.

يقول الله تعالى:

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ۝ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ۝ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾

فرعون كان يملك القوة والسلطة والجنود، حتى وصل به الأمر إلى الطغيان والغرور.

وكان يقول:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾

تخيل حجم الغرور!

إنسان يملك شيئًا من السلطة، فينسى أنه عبد ضعيف، ويبدأ في التعامل مع نفسه وكأنه فوق الجميع.

لكن الله يرسل إليه موسى.

والأجمل أن الله يقول لموسى:

﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ۝ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾

حتى مع فرعون، كان الخطاب في البداية دعوة إلى التزكية والهداية لعبادة الله وخده.

 

القوة لا تعني أنك لا تُحاسب

فرعون كان يمتلك القوة، لكنه لم يملك الحقيقة.

فرعون نفسه انتهى.

وكل من ظن أن قوته ستجعله خالدًا ذهب.

ولهذا تقول السورة بعد ذكر قصته:

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾

المهم ليس أن تعرف القصة فقط، وإنما أن تتعلم منها.

 

انظر إلى السماء والأرض

ثم تعود السورة إلى دليل آخر على قدرة الله:

﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ۝ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾

ثم تذكر الأرض والجبال والماء والمرعى.

فهل خلق الله كل هذا ثم يعجز عن إعادة الإنسان بعد موته؟

بالطبع لا.

ومن يتأمل الكون يجد أمامه أدلة كثيرة على عظمة الخالق وقدرته.

 

﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ﴾

ثم نصل إلى واحدة من أقوى آيات السورة:

﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ ۝ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ﴾

الطامة الكبرى هي يوم القيامة.

وفي ذلك اليوم سيتذكر الإنسان كل ما سعى إليه.

تأمل كلمة ﴿سَعَىٰ﴾.

كل ما بذلت فيه وقتك وجهدك.

في ذلك اليوم ستعرف ما الذي كان يستحق فعلًا، وما الذي لم يكن يستحق كل هذا العناء.

 

الدنيا ليست كل شيء

ثم تقول السورة:

﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ۝ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۝ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾

لاحظ: المشكلة ليست في أن تعيش في الدنيا.

الإسلام لا يطلب منك أن تترك العمل أو الزواج أو المال أو النجاح.

المشكلة أن تؤثر الدنيا على الآخرة، وأن تصبح الدنيا هي الهدف النهائي و تنسي الله.

 

وهناك طريق آخر

ثم تقول السورة:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾

وهذه من أجمل آيات السورة.

الإنسان لديه رغبات.

يريد أن يفعل ما يحلو له.

لكن المؤمن لا يجعل كل رغبة تقوده.

هذه هي مجاهدة النفس.

 

متى تقوم الساعة؟

وفي نهاية السورة يسأل النبي ﷺ عن الساعة:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾

ويأتي الجواب بأن علمها عند الله.

ثم تقول:

﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾

مهما عشت في الدنيا، عندما تنظر إلى حياتك من النهاية ستشعر أنها كانت قصيرة جدًا.

سنوات طويلة ستصبح مجرد ذكريات.

ولهذا لا تجعل قصر الدنيا سببًا في اليأس، بل اجعله فرصة في اغتنامها.

 

في النهاية ماذا ستتذكر عندما تنتهي الرحلة؟

سورة النازعات تترك في القلب سؤالًا صعبًا لكنه مهم:

لو انتهت حياتك اليوم، ماذا سيبقى من كل الأشياء التي كنت تركض خلفها؟

لذلك عش حياتك، واعمل لمستقبلك، واسعد بما أحل الله لك، لكن لا تنسَ المستقبل الذي لا نهاية له.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Zeyad Elshazly تقييم 5 من 5.
المقالات

37

متابعهم

12

متابعهم

15

مقالات مشابة
-