هَكَذَا بَدَأَ الشِّرْك!؟ | موقف مُرعِب مع إدريس عليه السلام
مواجهة إدريس عليه السلام لقومه حين بدأوا تقديس الصالحين وتحويلهم إلى رموز تُعبد من دون الله
هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ أَوَّلَ خَطْوَةٍ فِي طَرِيقِ الشِّرْكِ
لَا تَبْدَأُ بِالسُّجُودِ لِصَنَمٍ…
بَلْ بِفِكْرَةٍ صَغِيرَةٍ
تَدْخُلُ القَلْبَ فِي صَمْتٍ؟
فِكْرَةٌ لَا تُخِيفُ،
وَلَا تُرْعِبُ،
وَلَا تَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهَا مَعَالِمُ الخَطَرِ…
بَلْ تَأْتِي فِي ثَوْبِ الحُبِّ،
وَفِي صُورَةِ الوَفَاءِ،
وَبِاسْمِ التَّذْكِيرِ بِالصَّالِحِينَ.
فِي زَمَانٍ قَدِيمٍ…
قَبْلَ أَنْ تُمْلَأَ الأَرْضُ بِالأَوْثَانِ،
وَقَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ التَّمَاثِيلُ فِي الطُّرُقَاتِ،
وَقَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ اسْمَ الصَّنَمِ أَصْلًا،
كَانَ قَوْمُ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ…
تَخْشَعُ قُلُوبُهُمْ عِنْدَ ذِكْرِهِ،
وَتَجْرِي دُمُوعُهُمْ فِي اللَّيْلِ خَوْفًا مِنْهُ،
وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْ نَبِيِّهِمْ
مَعْنَى التَّقْوَى وَالإِخْلَاصِ.
وَلَكِنَّهُمْ…

بَدَأُوا يَنْسَوْنَ مَعْنَى الإِخْلَاصِ شَيْئًا فَشَيْئًا.
لَيْسَ نِسْيَانًا مُفَاجِئًا،
بَلْ نِسْيَانًا يَزْحَفُ كَالظِّلِّ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
كَانَ فِيهِمْ رِجَالٌ صَالِحُونَ،
يُحِبُّهُمُ النَّاسُ حُبًّا عَظِيمًا،
يَجْلِسُونَ إِلَيْهِمْ لِيَتَعَلَّمُوا،
وَيَنْظُرُونَ إِلَى وُجُوهِهِمْ فَيَتَذَكَّرُونَ الآخِرَةَ،
وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ فَتَرْتَجِفُ قُلُوبُهُمْ خُشُوعًا.
وَذَاتَ يَوْمٍ…
مَرِضَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ.
وَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَ بَيْتِهِ،
يَدْعُونَ لَهُ،
وَيَرْجُونَ لَهُ الشِّفَاءَ.
ثُمَّ…
فَاضَتْ رُوحُهُ إِلَى رَبِّهَا.
بَكَى النَّاسُ عَلَيْهِ طَوِيلًا،
وَامْتَلَأَتِ الطُّرُقَاتُ بِالحُزْنِ،
وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ:
«كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدَهُ؟»
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ،
وَهُمْ يَجْلِسُونَ فِي لَيْلَةٍ حَزِينَةٍ:
«لَوْ صَنَعْنَا لَهُ ذِكْرَى…
شَيْئًا يُذَكِّرُنَا بِعِبَادَتِهِ،
لِنَتَذَكَّرَ صَلَاحَهُ إِذَا فَتَرْنَا».
وَهُنَا…
دَخَلَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَضْيَقِ بَابٍ.
لَمْ يَقُلْ لَهُمْ: اعْبُدُوهُ.
وَلَمْ يَقُلْ: اسْجُدُوا لَهُ.
بَلْ هَمَسَ فِي قُلُوبِهِمْ:
«إِنَّهَا مُجَرَّدُ ذِكْرَى…
وَالذِّكْرَى لَا تَضُرُّ».
فَصَنَعُوا رَمْزًا…
وَوَضَعُوهُ فِي مَكَانٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ.
لَيْسَ لِلْعِبَادَةِ،
بَلْ لِلتَّذْكِيرِ…
كَمَا زَعَمُوا.
وَكُلَّمَا رَأَوْهُ
قَالُوا:
«هَكَذَا كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ…
فَلْنَعْبُدْهُ كَمَا كَانَ يَعْبُدُ».
وَمَرَّتِ الأَيَّامُ…
وَضَعُفَ العِلْمُ،
وَقَلَّ مَنْ يَذْكُرُ القِصَّةَ كَامِلَةً.
وَكَبِرَ الأَبْنَاءُ،
وَجَاءَ جِيلٌ لَمْ يَعْرِفِ الصَّالِحَ،
وَلَا جَلَسَ إِلَيْهِ،
وَلَا سَمِعَ صَوْتَهُ،
وَلَا شَهِدَ دُمُوعَهُ فِي اللَّيْلِ.
فَسَأَلُوا:
«لِمَاذَا هَذَا الرَّمْزُ؟»
فَقِيلَ لَهُمْ:
«هَذَا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا…
كَانَ يُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ،
وَنَحْنُ نَتَبَرَّكُ بِذِكْرَاهُ».
وَهُنَا…
تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
لَمْ يَسْجُدْ أَحَدٌ بَعْدُ…
وَلَكِنَّ الفِكْرَةَ تَغَيَّرَتْ.
مِنْ «ذِكْرَى»
إِلَى «وَسِيلَةٍ».
وَقَفَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
يُرَاقِبُ فِي صَمْتٍ…
وَقَلْبُهُ يَرْتَجِفُ خَوْفًا عَلَى قَوْمِهِ.
كَانَ يَعْلَمُ
أَنَّ الشِّرْكَ لَا يَبْدَأُ بِالسُّجُودِ…
بَلْ يَبْدَأُ بِتَبْرِيرٍ.
وَأَنَّ القُلُوبَ
إِذَا اعْتَادَتْ الرَّمْزَ…
سَتَعْتَادُ التَّعْظِيمَ.
فَجَمَعَ قَوْمَهُ،
وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ،
لَكِنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ رَعْدًا فِي مَعْنَاهُ:
«يَا قَوْمِ،
إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَرَّبُ إِلَيْهِ
بِحَجَرٍ وَلَا رَمْزٍ،
وَلَا بِذِكْرَى تُحَوَّلُ إِلَى تَعْظِيمٍ.
إِنَّمَا يُقَرَّبُ إِلَيْهِ
بِقَلْبٍ خَالِصٍ،
لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
نَظَرُوا إِلَيْهِ…
وَتَبَادَلُوا النَّظَرَاتِ.
شَعَرُوا أَنَّ فِي كَلَامِهِ حَقًّا…
وَلَكِنَّهُمْ خَافُوا
أَنْ يَتَّهِمَهُمْ النَّاسُ بِتَضْيِيعِ ذِكْرَى الصَّالِحِينَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
«إِنَّكَ تُشَدِّدُ عَلَيْنَا،
نَحْنُ لَا نَعْبُدُهَا!»
فَقَالَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
«بَلْ تَفْتَحُونَ بَابًا…
سَيَدْخُلُ مِنْهُ مَنْ بَعْدَكُمْ،
وَيَعْبُدُونَ مَا تَرَكْتُمُوهُ.
أَنْتُمْ تَضَعُونَ البِذْرَةَ…
وَغَيْرُكُمْ سَيَحْصُدُ الشِّرْكَ».
وَهُنَا…
سَكَتَ القَوْمُ.
لِأَنَّهُمْ شَعَرُوا
أَنَّ كَلَامَهُ لَامَسَ مَكَانًا حَسَّاسًا فِي قُلُوبِهِمْ.
وَلَكِنَّ الغُرُورَ…
وَالثِّقَةَ الزَّائِدَةَ بِالنِّيَّاتِ…
غَلَبَتْ بَعْضَهُمْ.
فَقَالُوا:
«دَعْنَا وَمَا نَفْعَلُ،
نَحْنُ أَعْلَمُ بِنِيَّاتِنَا،
وَلَنْ نَقَعَ فِيمَا تَخَافُ».
فَتَرَكَهُمْ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ،
وَقَلْبُهُ يَعْلَمُ
أَنَّ الْخَطْوَةَ الأُولَى قَدْ وُضِعَتْ…
وَأَنَّ التَّارِيخَ
لَا يُعِيدُ نَفْسَهُ صُدْفَةً…
بَلْ يُعِيدُهُ البَشَرُ
حِينَ يُهْمِلُونَ التَّحْذِيرَ.
وَمَا هِيَ إِلَّا سِنُونَ…
حَتَّى صَارَ النَّاسُ
يَقِفُونَ أَمَامَ الرَّمْزِ
بِخُشُوعٍ أَكْثَرَ مِنْ خُشُوعِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ.
ثُمَّ…
رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ عِنْدَهُ.
ثُمَّ…
نَادَوْهُ فِي الشِّدَّةِ.
حَتَّى تَحَوَّلَ الرَّمْزُ إِلَى تَعْظِيمٍ،
وَالتَّعْظِيمُ إِلَى تَقْدِيسٍ،
وَالتَّقْدِيسُ…
إِلَى عِبَادَةٍ.
وَهُنَا…
فَهِمَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
أَنَّ أَخْطَرَ المَعَاصِي
لَا تَدْخُلُ صَاخِبَةً،
وَلَا تَطْلُبُ إِذْنًا…
بَلْ تَدْخُلُ فِي صَمْتٍ،
وَتَبْدَأُ بِفِكْرَةٍ
نُسَمِّيهَا بَرِيئَةً.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَبْقَى…
كَمْ فِكْرَةٍ صَغِيرَةٍ
نُدَافِعُ عَنْهَا الْيَوْمَ
بِحُجَّةِ النِّيَّةِ…
وَهِيَ فِي الحَقِيقَةِ
بِدَايَةُ ضَلَالٍ كَبِير؟
إلى هنا ونلتقي بمشيئة الله تعالى مع قصة جديدة في قصص من التراث الإسلامي
والسلام علينا وعليكم