رد الشبهة عن حديث ويح عمار تقتله الفئة الباغية
بسم الله الرحمن الرحيم فيما يلى رد من كتب اهل السنة و الجماعة و القرآن الكريم و كتب الشيعة لرد الشبهة عن حديث ويح عمار تقتله الفئة الباغية
المقالة: الرد الشامل على شبهة حديث "ويح عمار تقتله الفئة الباغية"
أولاً: نص الحديث ومصادره
يعتبر حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه من الأحاديث التي بلغت درجة "التواتر" عند أهل السنة.
نص الحديث: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فمر به النبي ﷺ ومسح التراب عن رأسه وقال: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار".
تخريجه: الحديث صحيح بلا ريب، وقد أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد)، وأخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الفتن وأشراط الساعة)، كما رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي وغيرهم.

ثانياً: طرح الشبهة
تتمحور الشبهة حول استغلال هذا الحديث للطعن في صحابة رسول الله ﷺ الذين كانوا في جيش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في وقعة صفين، والادعاء بأن وصفهم بـ "البغي" والدعوة إلى "النار" يخرجهم من دائرة الإيمان أو يوجب لعنهم والبراءة منهم.
ثالثاً: الرد من كتب السنة (الفهم الصحيح لمصطلح البغي)
علماء أهل السنة لم ينكروا الحديث، بل قبلوه وفسروه وفق القواعد الشرعية واللغوية:
تعريف البغي لغةً وشرعاً: البغي في اللغة هو "الطلب"، وفي الشرع هو "الخروج عن طاعة الإمام بتأويل سائغ". والبغي هنا لا يعني الكفر أو الخروج من الملة.
التأويل المتأول: ذهب المحققون مثل ابن تيمية وابن حجر العسقلاني إلى أن الفئة التي قتلت عماراً كانت "باغية" لأنها خرجت عن طاعة الإمام الحق (علي بن أبي طالب)، لكنها فعلت ذلك بناءً على تأويل (وهو المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه)، والمخطئ في الاجتهاد لا يكفر بل له أجر واحد.
شهادة النبي لهم بالإيمان: النبي ﷺ وصف الطائفتين المقتتلتين (أهل العراق وأهل الشام) في حديث آخر بقوله: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق" (رواه مسلم). فوصف الطائفتين بأنهما "من المسلمين".
رابعاً: الرد من القرآن الكريم
القرآن الكريم حسم مسألة وقوع البغي بين المؤمنين دون أن يسلبهم صفة الإيمان أو الأخوة:
قال تعالى: ((وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ)) [الحجرات: 9].
وجه الاستدلال: الله عز وجل سمّى الطائفتين "مؤمنين" رغم وقوع الاقتتال وبغي إحداهما على الأخرى، بل ووصفهم في الآية التي تليها مباشرة بقوله: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)). فالبغي لا يقطع عقد الأخوة الإيمانية.
خامساً: الرد من كتب الشيعة (إقرار علي بن أبي طالب بإيمان خصومه)
رغم محاولة البعض استخدام الحديث للطعن، إلا أن المصادر المعتبرة لدى الشيعة تروي عن الإمام علي رضي الله عنه ما ينقض فكرة تكفير "الفئة الباغية":
نهج البلاغة: يروى عن الإمام علي قوله في وصف جيش معاوية: "وكان بدء أمرنا أن التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء" (نهج البلاغة، كتاب رقم 58).
الامتناع عن السب: في كتاب "أمالي الطوسي" وغيرها من المصادر، روي أن علياً نهى أصحابه عن سب أهل الشام قائلاً: "إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول".
الخلاصة
حديث "تقتله الفئة الباغية" هو نبوءة نبوية ومعجزة تحققت، وهي تدل على أن الحق كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن الطرف الآخر أخطأ في اجتهاده. ولكن هذا الخطأ (البغي) لا يسوغ التكفير أو السب، بدليل القرآن الكريم الذي أبقى لهم وصف الإيمان، وبدليل قول علي نفسه فيهم.
هذا والله اعلم