لماذا يهربُ الإنسانُ من الصمت… رغم أن اللهَ فيه أقرب.

لماذا يهربُ الإنسانُ من الصمت… رغم أن اللهَ فيه أقرب.

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about لماذا يهربُ الإنسانُ من الصمت… رغم أن اللهَ فيه أقرب.

لماذا يهربُ الإنسانُ من الصمت… رغم أن اللهَ فيه أقرب.

خرائطُ الوحي

﴿ وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ﴾

من أكثرِ الأشياءِ التي تكشفُ حقيقةَ الإنسان

أنهُ يستطيعُ أحيانًا

أن يجلسَ ساعاتٍ طويلةً مع الناس

لكن يصعبُ عليهِ

أن يجلسَ دقائقَ قليلةً مع نفسِه

ولهذا

كلما خلتِ الدنيا من الضجيج

شعرَ كثيرٌ من الناسِ بالاختناق

فيبحثونَ فورًا عن أيِّ صوت

هاتف

حديث

موسيقى

رسائل

أيُّ شيء

المهمُّ:

ألا يبقوا وحدهم

لكن المشكلةَ ليست في الصمت

بل في:

ما الذي يظهرُ حين يصمتُ كلُّ شيء

لأن الضجيجَ أحيانًا

ليس راحة

بل هروب

هروبٌ من فراغٍ داخلي

أو خوفٍ قديم

أو وحشةٍ يحاولُ القلبُ أن يغطيها

ولهذا

كان الصمتُ الحقيقيُّ مرعبًا لبعضِ القلوب

لأنهُ يكشفُ من الحاضرُ فعلًا داخلها

فإذا سكتَ العالم

وبقيتَ وحدكَ

من الذي ستشعرُ به؟

الدنيا؟

الناس؟

الخوف؟

الندم؟

أم الله؟

وهنا يبدأُ الكشف

أن الإنسانَ لا يهربُ دائمًا من الصمت

بل يهربُ أحيانًا

من مواجهةِ نفسِه أمامَ الله

ولهذا

كانت الخلوةُ من أعظمِ أبوابِ التربيةِ في الوحي

موسى عليه السلام

حين أرادَ اللهُ أن يُعدَّهُ للكلام

أخذهُ إلى الوادي

إلى العزلة

إلى السكون

إلى اللحظةِ التي لا يبقى فيها

إلا الله

﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾

وكأن القلبَ لا يسمعُ النداءَ العظيم

حتى يهدأَ ضجيجُ الأرضِ داخله

ولهذا

كان أكثرُ الناسِ قربًا من الله

ليسوا دائمًا أكثرَهم كلامًا

بل أكثرَهم حضورًا

لأن الذي امتلأَ بالله

لا يحتاجُ دائمًا إلى الضوضاء

ليهربَ من نفسِه

فهو إذا جلسَ وحده

وجدَ الله

أما الذي امتلأَ قلبُهُ بالدنيا

فإن الصمتَ يفضحُه

يكشفُ لهُ كم هو مشتت

وكم هو متعب

وكم أنهُ كان يركضُ طوالَ الوقت

دون أن يعرفَ إلى أين

ولهذا

كان الذكرُ في الخلوة

أشدَّ أثرًا أحيانًا من آلافِ الكلمات

لأن القلبَ هناك

لا يكونُ مشغولًا بصورةِ الناس

ولا بردودِ الأفعال

ولا بإثباتِ شيء

بل يكونُ عبدًا فقط

عبدًا يقفُ في الظلام

ثم يقولُ:

“يا رب”

فتنزلُ على روحِه رحمة

لا يعرفُها الضجيج

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

وكأن الطمأنينةَ ليست في كثرةِ الأصوات

بل في العثورِ على الحضورِ الحقيقي

ولهذا

فإن أخطرَ أنواعِ الوحدة

ليست أن تبقى وحدكَ

بل أن تبقى بعيدًا عن الله

وسطَ كلِّ الناس

وأجملُ أنواعِ الأنس

ليس أن يحيطَ بك البشر

بل أن تشعرَ أن اللهَ معك

وهنا يتحولُ الصمت

من وحشة

إلى حضرة

ومن فراغ

إلى امتلاء

ومن خوف

إلى سكينة

لأن القلبَ حين يتذوقُ معيةَ الله

لا يعودُ يخافُ من البقاءِ وحده

فهو لم يعدْ وحدهُ أصلًا

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾

وكأن الإنسانَ طوالَ عمرهِ

كان يهربُ من بابٍ

لو دخلهُ مرةً بصدق

لوجدَ فيهِ كلَّ ما كان يبحثُ عنه

في هذا العصر المزدحم بالأصوات والضجيج، أصبح الصمت شيئًا يخيف كثيرًا من الناس. فبعضهم لا يستطيع الجلوس دقائق قليلة دون هاتفٍ أو موسيقى أو حديثٍ مستمر، وكأن الصمت فراغٌ يجب الهروب منه. لكن الحقيقة أن الصمت ليس فراغًا أبدًا، بل مساحةٌ يقترب فيها الإنسان من نفسه ومن ربّه، ولهذا كان الله أقرب إلى القلب في لحظات السكون.

يهرب الإنسان من الصمت لأنه يكشف ما يحاول إخفاءه طوال الوقت. فعندما يهدأ كل شيء، تبدأ الأفكار القديمة بالظهور، وتعود الأسئلة التي كان يهرب منها، ويواجه الإنسان مشاعره الحقيقية دون أقنعة. لذلك يختار كثيرون الضجيج حتى لا يسمعوا صوت أرواحهم. فالصمت أحيانًا مرآة، والإنسان لا يحب دائمًا أن يرى نفسه بوضوح.

لكن رغم ذلك، يبقى الصمت من أكثر اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بقرب الله. ففي هدوء الليل، بعيدًا عن صخب الحياة، يدرك القلب أن هناك ربًّا يسمع حتى الدعاء الذي لم يُنطق به. ولهذا كانت أوقات السحر والقيام من أعظم لحظات الطمأنينة، لأن الإنسان فيها يبتعد عن العالم ويقترب من خالقه. فالله لا يحتاج إلى ضجيجٍ ليسمعنا، بل يكفي أن يتحرك القلب بصدق.

والصمت لا يعني الوحدة كما يظن البعض، بل قد يكون أعظم أنواع الأنس. فالإنسان حين يجلس مع نفسه بهدوء، ويتأمل نعم الله وحياته وأخطائه وأحلامه، يشعر بأن روحه أصبحت أخف، وكأن شيئًا من التعب يغادره. إن كثيرًا من الضيق الذي يعيشه الناس سببه أنهم لا يمنحون قلوبهم فرصة للهدوء، فيبقون طوال الوقت هاربين من أنفسهم دون أن يشعروا.

كما أن الصمت يمنح الإنسان فرصةً لإعادة ترتيب حياته. ففي لحظات الهدوء تتضح الحقائق، ويستطيع العقل أن يفكر بعمق بعيدًا عن التشويش. ولذلك كان التأمل والسكينة جزءًا مهمًّا من راحة النفس، لأن القلب عندما يهدأ يصبح أقرب إلى الحكمة واليقين.

وفي النهاية، لا يهرب الإنسان من الصمت لأنه سيئ، بل لأنه يكشف أعماقه الحقيقية. لكن من يتصالح مع الصمت يكتشف أنه ليس مخيفًا كما ظن، بل بابٌ للراحة والقرب من الله. فكلما هدأت الأصوات حولنا، أصبح صوت الروح أوضح، وأصبح حضور الله في القلب أقرب وأعمق.

#خرائط_الوحي

#الإحسان

#الحضور

#لغة_الروح

#د_كريم_عبد_الرازق   

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Elrayq تقييم 5 من 5.
المقالات

16

متابعهم

6

متابعهم

70

مقالات مشابة
-