تفسير سورة النبأ

تفسير سورة النبأ
تبدأ سورة النبأ باستفهام يحمل معنى التعجب والإنكار، قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. كان كفار مكة يتساءلون عن خبر البعث بعد الموت، فمنهم من يكذب به ومنهم من يستبعد وقوعه، فجاء القرآن ليؤكد أن هذا الخبر حق لا ريب فيه، فقال سبحانه: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، أي سيعلمون حقيقة ما أنكروه عندما يرونه بأعينهم يوم القيامة.
ثم تعرض السورة مجموعة من الأدلة على قدرة الله تعالى، فتذكر الأرض الممهدة للعيش، والجبال التي ثبت بها الأرض، وخلق الإنسان أزواجًا ليستمر النوع البشري، وجعل النوم راحة للأبدان، والليل لباسًا يستر الناس، والنهار وقتًا للسعي والعمل، وبناء السماوات السبع المحكمة، وجعل الشمس سراجًا وهاجًا يبعث الضوء والحرارة، وإنزال المطر من السحب، وإنبات الزروع والجنات. وهذه الآيات تؤكد أن من خلق هذا الكون العظيم قادر بلا شك على إعادة الإنسان إلى الحياة بعد موته.
بعد ذلك تنتقل السورة إلى الحديث عن يوم القيامة، فتقول: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾، أي أن الله جعل يوم القيامة موعدًا للفصل بين الناس بالعدل. ويصف القرآن بعض مشاهد ذلك اليوم، فينفخ في الصور، فيخرج الناس من قبورهم أفواجًا للحساب، وتفتح السماء، وتسير الجبال حتى تصبح كأنها سراب لا حقيقة له، فيتغير نظام الكون كله إيذانًا بقيام الساعة.
ثم تصف السورة حال الكافرين، فتذكر أن جهنم كانت مرصادًا لهم، أي مكانًا ينتظر من استحق العذاب بسبب كفره وطغيانه. ويبين القرآن أنهم يمكثون فيها أحقابًا طويلة، يذوقون فيها أنواعًا من العذاب، لأنهم كذبوا بآيات الله ولم يخافوا الحساب. ويؤكد سبحانه أن كل أعمالهم كانت محفوظة ومكتوبة، فلا يضيع شيء من أفعالهم، وسيجازون عليها بالعدل الكامل.
وفي المقابل، تعرض السورة مشهدًا مشرقًا لأهل الإيمان والتقوى، فتقول: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾، أي أن لهم فوزًا ونجاة من العذاب، ثم تذكر بعض نعيمهم، مثل الحدائق الجميلة، وأشجار العنب، والراحة والطمأنينة، والشراب الطيب، وأنهم لا يسمعون في الجنة كلامًا باطلًا ولا كذبًا، وإنما يعيشون في سلام وسعادة دائمة، وهذا كله جزاء من الله لعباده الصالحين.
وتبين السورة أن يوم القيامة هو اليوم الذي يقف فيه الخلق جميعًا بين يدي الله، فلا يستطيع أحد أن يتكلم إلا بإذن الرحمن، ولا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن الله له ورضي عنه. وهذا يدل على عظمة ذلك اليوم، وأن الملك كله لله وحده.
وتختتم السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾، أي أن الله يحذر الناس من عذاب الآخرة الذي هو قريب مهما طال عمر الإنسان، لأن الحياة الدنيا قصيرة مقارنة بالآخرة. وفي ذلك اليوم ينظر كل إنسان إلى ما قدمت يداه من أعمال، فيفرح المؤمن بما قدم من خير، بينما يندم الكافر أشد الندم حتى يتمنى لو كان ترابًا ولم يُحاسب.
وتعلمنا سورة النبأ أن الإيمان بالبعث والجزاء ركن أساسي من أركان العقيدة الإسلامية، وأن التأمل في خلق الله يزيد يقين الإنسان بقدرته سبحانه. كما تدعونا إلى الاستعداد ليوم القيامة بالأعمال الصالحة، والمحافظة على الطاعات، واجتناب المعاصي، لأن كل عمل محفوظ وسيحاسب عليه الإنسان يوم القيامة.
أهم الدروس المستفادة من السورة
- الإيمان بالبعث والحساب من أصول العقيدة الإسلامية.
- قدرة الله في خلق الكون دليل على قدرته على إحياء الموتى.
- كل أعمال الإنسان مكتوبة وسيحاسب عليها.
- الفوز الحقيقي يكون بالتقوى والعمل الصالح.
- الجنة جزاء المؤمنين، والنار عقوبة المكذبين.
- الاستعداد للآخرة يكون بالإيمان والطاعة والإخلاص.