الشجرة الملعونة في القراءن
قصة الشجرة الملعونة في القرآن

تُعدّ الشجرة الملعونة المذكورة في القرآن الكريم إحدى الصور البيانيّة العميقة التي حملت أبعاداً عقدية وتربوية خوالد؛ حيث جاء ذكرها في سورة الإسراء لتكون اختباراً لليقين الإنساني، وتذكرة بمصير أهل الشرك والضلال. هي شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم، والتي جعلها الله تعالى فتنة للناس وابتلاءً لقلوبهم.
### السياق القرآني والابتلاء في المفهوم
ورد ذكر هذه الشجرة في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْأَرْضِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا).
سبب الفتنة والتكذيب: عندما أخبر النبي ﷺ المشركين بوجود شجرة تنبت في قعر النار، استهزأوا وقالت قريش كيف تنبت الشجرة في النار والنار تحرق الشجر؟ فكانت اختباراً لتمحيص المؤمن الصادق من المشرك المكذب.
معنى اللعنة: اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد من الرحمة، ووُصفت الشجرة بذلك لأنها تنبت في دار اللعنة (الجهنم)، وطعامها مخصص للملعونين الذين أُبعدوا عن رحمة الله.
### صفات شجرة الزقوم وطعام أهل النار
رسم القرآن الكريم صورة ترهيبية دقيقة لهذه الشجرة لتبين مدى بشاعة طعام أهل الجحيم وجشاعة مصيرهم:
المنبت والمنشأ: شجرة تخرج في أصل الجحيم، تحيا وسط ألسنة النيران ولا تلتهمها النار، بل تمد جذورها في أعمق دركات العذاب.
بشاعة المنظر: وصف الله طلعها وجناها بقوله: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ)، وهو تشبيه يُستحضر فيه أقصى درجات القبح والترهيب النفسي.
مرارة الطعم وشدة العذاب: طعامها غسلين ومُرّ للغاية، يغلي في البطون كغلي الحميم، لا يُسمن ولا يغني من جوع، ومع ذلك يُكره أهل النار على الأكل منه لشدة الجوع.
### الأبعاد الفكرية والتفسيرية
تناول المفسرون قصة الشجرة الملعونة من جوانب متعددة تثري الفهم الإيماني والتربوي:
القدرة الإلهية المطلقة: أنبت الله الخضرة والشرر في مكان واحد ليريهم أن قوانين الطبيعة خاضعة لإرادته، فالذي خلق النار قادر على أن يجعل الشجر ينمو في قلبها.
الرمزية المعنوية للخبث: ترميز الشجرة الملعونة إلى كل فكر خبيث وأصل فاسد لا يثمر إلا التعب والهلاك، في مقابل "الشجرة الطيبة" التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.
سنة التخويف والإنذار: إنما يرسل الله الآيات والإنذارات لتخويف العباد ليثوبوا إلى رشدهم، لكن أهل الطغيان لا يزدادون عند سماعها إلا استكباراً وعتواً.
### الدروس والعبر المستفادة
تتضمن القصة دروساً تربوية وعقدية بالغة الأهمية للمسلم في كل عصر:
التسليم للنصوص الشرعية: عدم قياس الغيبيات بالمنطق البشري القاصر، فالقدرة الإلهية لا تحدها قوانين المادة.
الحذر من الاستهانة بالوعيد: الاستهزاء بآيات الله وعقابه هو طريق الهلاك الذي سلكه المشركون قديماً.
العمل لدار النعيم: تذكر عذاب النار وطعام أهلها يحفز المؤمن على الالتزام بالطاعات واجتناب النواهي لنيل جنات النعيم وطعامها الطيب.
تظل الشجرة الملعونة شاهداً على حكمة الله في ابتلائه لعباده، وتذكرة دائمة بأن من اختار طريق الخبث واللعنة في الدنيا، يكون مصيره الارتواء من أصلها في الآخرة.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق